أقلام حره

مدحت الحلفاوي يكتب: ثلاثون يونيو حين انتصر الوطن

خرج من بيته في هدوء وكأنه يعرف أن هذه الخطوات لن تعود. قبل يد أمه واحتضن أبناءه وأخفى خلف ابتسامته سرا لم يكن يعلمه إلا الله. حمل سلاحه ومضى وهو يعلم أن الطريق إلى حماية الوطن قد ينتهي بالشهادة لكنه لم يتردد. لأن الرجال الذين يعشقون أوطانهم لا يحسبون أعمارهم بعدد السنوات بل بمقدار ما يقدمونه لها.
لم يكن يبحث عن بطولة ولا عن وسام يزين صدره. كان يؤمن أن أعظم البطولات هي التي لا يعلم بها إلا الله. وحين امتزجت دماؤه بتراب مصر لم تنته حكايته بل بدأت. لأن الشهيد لا يغيب عن وطنه بل يبقى فيه نبضا لا يخبو وعهدا لا ينكسر ورسالة تتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل.
ولم يكن وحده. آلاف من رجال القوات المسلحة والشرطة المصرية مضوا في الطريق نفسه. تركوا أحلامهم الصغيرة ليحافظوا على حلم وطن كبير. ارتقت أرواحهم وبقيت مصر شامخة عصية على الانكسار. ومن دمائهم الطاهرة ارتفع سور الوطن أكثر صلابة في وجه كل من أراد به شرا.
ومن هنا تبدأ حكاية الثلاثين من يونيو. لم تكن مجرد تاريخ يمر في صفحات التقويم ولا مجرد حشود احتشدت في الميادين. كانت لحظة وقف فيها المصريون صفا واحدا ليعلنوا أن الوطن أكبر من كل خلاف وأن الدولة المصرية أمانة لا يجوز التفريط فيها. خرجوا بإرادتهم مؤمنين بأن الحفاظ على الوطن مسؤولية لا تقبل التأجيل ولا المساومة.
وفي تلك اللحظة الفارقة تحملت مؤسسات الدولة مسؤوليتها الوطنية في حماية البلاد وصون استقرارها. ثم بدأت مرحلة من أصعب المراحل في تاريخ مصر الحديث. مرحلة واجهت فيها الدولة الإرهاب بكل ما يحمله من عنف وظلام بينما كانت في الوقت نفسه تخوض معركة أخرى عنوانها البناء والعمل والأمل.
كانت المواجهة قاسية والثمن باهظا. امتزجت دماء جنود الجيش برجال الشرطة فوق أرض مصر وسقط شهداء قدموا أرواحهم ليحيا وطنهم.
بكت أمهات واحتسب آباء وترملت زوجات وكبر أطفال على صور آبائهم. لكن مصر لم تنحني لأن وراءها شعبا يؤمن بها ورجالا أقسموا أن تظل رايتها مرفوعة مهما كانت التضحيات.
ومع مرور السنوات بدأت ملامح المستقبل تتشكل. امتدت الطرق وقامت المدن الجديدة وتواصلت مشروعات التنمية في أنحاء البلاد. واجهت الدولة تحديات كبيرة وظروفا قاسية لكن إرادة المصريين ظلت تؤمن أن بناء الأوطان يحتاج إلى الصبر والعمل وأن ما يبنى بالإخلاص يبقى للأجيال.
إن ثلاثين يونيو لم تكن انتصارا لطرف على طرف بل كانت انتصارا لوطن اختار أن يحافظ على هويته ودولته ومستقبله. وستظل شاهدة على أن المصريين قد يختلفون في الرأي لكنهم يجتمعون حين يناديهم الوطن. وأن مصر كانت وستبقى أكبر من كل التحديات لأنها ولادة بالرجال الذين يعرفون قيمة الأرض التي يقفون عليها.
رحم الله شهداء مصر الذين كتبوا بدمائهم صفحات من المجد لن تمحى. وحفظ الله جيشها وشرطتها وشعبها. وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار. ولتبق مصر دائما قوية بعزة أبنائها ومرفوعة الرأس بإرادة شعبها وخالدة بتاريخها وحضارتها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock