أقلام حره

سماح محروس تكتب: الاستضافة بين القانون والإنسانية… أين رأي الطفل

حين نناقش أي تشريع يتعلق بالاستضافة، فلا ينبغي أبدًا أن ينحصر الحديث في إطار الخلاف بين الأب والأم، أو أن يُختزل الأمر في معركة حقوق متبادلة بين طرفين بالغين. لأن الحقيقة الأهم، والأكثر عدلًا، أن هناك طرفًا ثالثًا هو الأكثر تأثرًا، والأقل قدرة على الدفاع عن نفسه، وهو الطفل.

فالطفل ليس بندًا قانونيًا، وليس ورقة في نزاع أسري، وليس وسيلة لإثبات النوايا أو تصفية الحسابات. الطفل إنسان كامل المشاعر، له خوفه وراحته ورفضه وقبوله، وله إحساسه الخاص بالأمان والاستقرار. ولذلك فإن أي تشريع يخص الاستضافة، إذا لم يبدأ من الاستماع إلى رأي الأطفال والمراهقين ومراعاة حالتهم النفسية، فإنه يكون تشريعًا منقوصًا، مهما بدا منظمًا في ظاهره.

إن الحديث عن الاستضافة لا يجب أن يُبنى فقط على تصورات الكبار، بل على ما يتحمله الأبناء فعليًا من أثر نفسي وعاطفي وسلوكي. فكم من طفل يعيش في ظاهر الصمت، بينما داخله قلق واضطراب وخوف من الانتقال القسري أو من الأجواء المشحونة أو من بيئة لا يشعر فيها بالارتياح. وكم من مراهق يدرك تفاصيل النزاع أكثر مما يتخيل البعض، ويتأذى نفسيًا من تجاهل رأيه أو فرض ترتيبات عليه لا يملك تجاهها قبولًا حقيقيًا.

من هنا، يصبح إعلاء رغبة الطفل ورأيه ضرورة إنسانية وقانونية وأخلاقية، لا رفاهية ولا ترفًا فكريًا. فالعدالة الحقيقية لا تتحقق فقط بإعطاء الكبار ما يطالبون به، بل تتحقق أولًا حين نحمي الصغار من أن يكونوا ضحايا قرارات لم يشاركوا فيها، رغم أنهم الأكثر تأثرًا بها.

إن أي قانون عادل للاستضافة يجب أن يسأل أولًا:
هل هذا القرار يحقق الطمأنينة للطفل؟
هل يراعي حالته النفسية؟
هل يستند إلى رغبته الحقيقية؟
هل يضمن له الأمان والاستقرار بعيدًا عن الضغوط والصراعات؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تسبق النصوص، لأن الطفل لا يحتاج فقط إلى عنوان قانوني، بل يحتاج إلى بيئة تحترم إنسانيته وتحفظ توازنه النفسي. فالتشريع الذي يتجاهل صوت الطفل قد يمنح شكلًا من أشكال التنظيم، لكنه قد يخلق في المقابل أضرارًا عميقة تمتد داخل نفس الابن لسنوات طويلة.

ولذلك، فإن من الضروري قبل إقرار أي تشريع خاص بالاستضافة، أن تكون هناك آليات حقيقية وآمنة للاستماع إلى الأطفال والمراهقين، عبر مختصين نفسيين واجتماعيين قادرين على فهم مشاعرهم والتعبير عنها بصورة مهنية عادلة، بعيدًا عن الضغوط أو التأثير أو التوجيه. لأن رأي الطفل لا يجب أن يُؤخذ شكليًا، بل يجب أن يُعامل باعتباره عنصرًا أساسيًا في تقدير مصلحته الفضلى.

كما أن مسألة من الأولى بالحضانة والرعاية لا يجوز أن تُقاس فقط بالنصوص الجامدة، بل بما يحققه كل طرف من أمان نفسي واحتواء حقيقي ورعاية يومية مستقرة. فالأولى ليست مجرد صفة قانونية، وإنما مسؤولية إنسانية وأخلاقية تقوم على الحماية والرحمة والمتابعة والقدرة على بناء بيئة يشعر فيها الطفل أنه آمن، ومحبوب، ومطمئن.

إن الأبناء ليسوا ساحة للصراع، ولا يجوز أن يدفعوا ثمن النزاعات والخلافات بين الكبار. ومن الظلم أن ننشغل بتحديد حقوق الأطراف المتنازعة، ثم ننسى الطرف الأضعف الذي سيحمل نتائج هذا كله في قلبه ونفسيته ومستقبله. فالطفل ليس تفصيلًا في القضية، بل هو جوهر القضية كلها.

لهذا، فإن أي تشريع يتعلق بالاستضافة، إذا أراد أن يكون عادلًا ومتوازنًا وإنسانيًا، فلا بد أن ينطلق من قاعدة واضحة لا تحتمل الالتفاف:
الطفل أولًا.
صوته أولًا،
راحته أولًا،
أمانه النفسي أولًا،
ومصلحته فوق كل خلاف وفوق كل نزاع.

فلا عدالة في قانون لا يسمع الطفل،
ولا رحمة في تشريع يتجاوز مشاعره،
ولا مصلحة حقيقية تُبنى على تجاهل من سيدفع الثمن وحده.

اسمعوا الأبناء قبل أن تشرّعوا لهم… فمستقبلهم ليس مجالًا للتجربة، ونفسياتهم ليست هامشًا يمكن تجاهله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock