جمال همام يكتب حرب ايران والامن العربى
هبت رياح تغيير عاتية على إيران ومنطقة الخليج العربي إثر بدء الحرب الدامية التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران في نهاية شهر فبراير الماضي، حيث بدأت بتحقيق نتائج مفاجئة وخاطفة تمثلت في مقتل المرشد الأعلى لإيران على خامنئي ومعه مجموعة من القادة الإيرانيين الكبار على المستويين السياسي والعسكري، ما أثار علامات استفاهم كثيرة مع تكهنات ذهب أكثرها في اتجاه تأكيد اختراق إسرائيلي/ أمريكي عالي المستوى للدوائر الضيقة المحيطة بالقيادات الإيرانية، ثم تلا ذلك تدمير ممنهج وواسع للمواقع العسكرية والمدنيةالإيرانية تحت ضغط آلة عسكرية أمريكية جبارة، وإن كانت هذه الحرب متوقعة على نطاق واسع بعد أن حشدت الولايات المتحدة القوات اللازمة لها من قواعد عائمة وحاملات طائرات في البحار والمحيطات، ومن اليابسة في أوروبا، إلا أنها بدت وكأنها مفاجئة لإيران نفسها حيث كانت الضربة الأولى شديدة التأثير من الناحيتين العسكرية والمعنوية خاصة بعد مفاجأة اغتيال القيادات الإيرانية العلياوعلى رأسها المرشد الأعلى للثورة الإيرانية في وقت قياسيما أربك حسابات طهران.
وقد تعزز هذا الارتباك مع اتساع نطاق الضربات، في ظل عجز واضح على احتواء الهجوم والتصدي مع عدم القدرة على إعادة تنظيم الصف القيادي بسرعة، فالضربة الأولى لم تكن مجرد هجوم، بل كانت عملية شلل استراتيجي استهدفت القيادة والسيطرة معًا، وهو ما انعكس مباشرة على أداء الدولة الإيرانية في إدارة الأزمة، لكن في المقابل لم تستطع أمريكا ومعها إسرائيل من حسم المعركة بسهولة كما توقعت واشنطن وتل أبيب.
ويبدو أن غياب القيادات بشكل جماعي أصاب طهران بحالة من تمزق القرار والتخبط الذي بدا في قصف أهداف مدنية وتنموية في دول مجلس التعاون الخليجي الست والأردن وتركيا، مع صدور إشارات متناقضة من طهران حول هذا القصف وتجلى ذلك في اعتذار الرئيس الإيراني بز شكيان لدول مجلس التعاون الخليجي عن هذا القصف، ثم سحب هذا الاعتذار تحت ضغط من قيادات الحرس الثوري والتيار المعادي لدول الجوار وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي، واستمرت إيران في تحويل جبهة القتال إلى دول الخليج، بينما تفاوضت لاحقًا مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، مع أن دول مجلس التعاون التزمت الحيادالاستراتيجي التام في هذه الحرب ولم تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها للهجوم على إيران حسب التصريحات الصادرة من العواصم الخليجية، وأوضحت أنها حرصت على عدم الانخراط في التصعيد، وهو موقف يعكس إدراكًدول مجلس التعاون لطبيعة المخاطر، وسعيًا منها لعدم توسيع رقعة الحرب و لتجنب الانزلاق إلى صراع إقليمي قد يمتد إلى خارج الإقليم، إلا أنها حذرت إيران من العواقب الوخيمة في حال تمادي الأخيرة في انتهاج هذه الاعتداءات غير المبررة.
وقد ألقت هذه الحرب تحديات خطيرة على أمن دول الخليج والمنطقة العربية فإضافة إلى القصف بالصواريخ والمسيرات التي استهدفت منشآت الطاقة والمطارات وخزانات الوقود ووقوع ضحايا في بعض دول الخليج، توقفت إمدادات النفط بعد إغلاق مضيق هرمز الذي يعد التحدي الأكبر للأمن الخليجي والعالمي حيث تعطلت الملاحة في الممر المائي الذي يعبره (20%) من إمدادات الطاقة العالمية. كما أن هناك تحد آخر يلوح جراء الفراغ السياسيالذي قد يحدث في إيران وانعكاسه على دول الإقليم، حيث أدى اغتيال القيادات الإيرانية إلى حالة من عدم اليقين ومخاوف من خطر الفوضى في حالة الانهيار المؤسسي الكامل في إيران ما قد يؤدي إلى هجرات جماعية من إيران إلى دول الجوار، إضافة إلى خطر إعادة تموضع الميليشيات الموالية لإيران في المنطقة.
والحلول المطروحة لمواجهة تحديات الأمن الإقليمي مازالت في طور التشكل حيث فرضت هذه التطورات احتياجات أمنية ملحة و البحث عن صيغ مرنة وفعالة للأمن العربي والإقليمي بصور غير تقليدية تبدأ بالأمن الوطني لكل دولة،ثم ترتيبات إقليمية تحت مظلة مجلس التعاون الخليجيوجامعة الدول العربية، أو على الأقل الدول العربية الفاعلة في النظام العربي وفي مقدمتها مصر والسعودية على أن تكون نواة لجهود عربية جماعية أكبر في المستقبل لتثبيت أمن المنطقة العربية والحفاظ على مقدراتها، وصيانة الأمن القومي العربي والحافظ على سلامة وانسيابية الملاحة في المضائق والممرات الملاحية العربية وفي منطقة الشرق الأوسط، خاصة الخليج العربي ومضيق هرمز ، ومضيق باب المندب والبحر الأحمر ومن ثم قناة السويس من أجل وضع أسس تكامل أمني خليجي / عربي، وتوزيع الأدوار في الدفاعات بما يحقق وجود مظلة دفاع خليجية وعربية مع ضمان وجود شبكة دفاعات قوية بدون ثغرات، وضرورةتعزيز وتطوير القيادة العسكرية الموحدة لدول مجلس التعاون أو قوات درع الجزيرة المشتركة، مع إحياء اتفاقية الدفاع العربي المشترك، و أهمية إنشاء منظمة إقليمية أوسع بترتيبات دقيقة للحفاظ على أمن المنطقة بشراكة عربية أو دولية بمشاركة عربية وإقليمية ودولية وبالتعاون مع حلف الناتو والدول الكبرى المحبة للسلام والتي لها مصالح في منطقة الشرف الأوسط لتثبيت الإسلام والاستقرار وضمان انسيابية وتأمين سلاسل الإمداد العالمية خاصة النفط والغاز .



