أقلام حره

عندما يصبح الإنسان بلا ثمن… صرخة من داخل رعاية مركزة

 

بقلم: المستشار الدكتور صلاح الديب

في زمن أصبحت فيه المستشفيات الجامعية هي الملاذ الأخير للمواطن المصري البسيط، تدخلها لتنقذ حياة، فتخرج منها وقد فقدت أغلى ما لديك، ليس بسبب قضاء الله وقدره فحسب، بل بسبب منظومة كاملة غاب عنها الضمير.

منذ بداية أكتوبر 2026، عشت مع أسرتي رحلة مريضة داخل مستشفى جامعة بنها، انتهت بوفاتها يوم 11 أكتوبر 2026. رحلة لم تكن مرضاً فقط، بل كانت كشفاً لمنظومة إهمال يومية تحدث وكأنها من طبائع الأمور، وكأن الإنسان بلا قيمة وبلا ثمن في هذه الحياة.

ما حدث لم يكن خطأً طبياً واحداً، بل كان سلسلة كوارث يومية تحدث بلا رادع:

أولاً: بيئة لا تصلح لعلاج البشر.
كيف نصدق أن غرفة رعاية مركزة، تستقبل حالات على أجهزة تنفس صناعي، يقع بابها أمام دورة مياه عامة، ومياه الصرف في الطرقات، وبابها مفتوح بشكل دائم؟ كيف يدخل الأطباء وهيئة التمريض بدون أي إجراءات تعقيم أو ماسكات أو قفازات؟ والأدهى من ذلك، أن تجد ذباباً على فم مريضة موصلة بجهاز تنفس صناعي، وعندما تشتكي وتستغيث يكون الرد الصادم: “طلبنا مبيدات للرش ولم يتم توفيرها”. هل أصبحت حياة الإنسان مرهونة بعلبة مبيد؟

ثانياً: استغاثة قبل الوفاة لم يسمعها أحد.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية. نحن لم نشتكِ بعد الوفاة، بل استغثنا قبلها، والمريضة لا تزال على قيد الحياة وتحتاج لمن ينقذها من بيئة العدوى. حاولنا بكل الطرق الوصول إلى مدير المستشفى، اتصلنا به مراراً وتكراراً، واستحال الوصول إليه ولم يرد على هاتفه مهما كانت مكانة من يحاول مساعدتنا. حاولنا أيضاً الوصول إلى الجراح الذي قام بإجراء العملية، واستحال الوصول إليه أيضاً. لا إشراف، لا متابعة، لا مسؤول.

قدمنا شكوى رسمية على منظومة شكاوى مجلس الوزراء الموقرة، أثناء وجود المريضة على قيد الحياة، على أمل إنقاذها. وحتى تاريخ كتابة هذه السطور، لم يتم الرد علينا، لا قبل الوفاة ولا بعدها. فإذا كانت منظومة الشكاوى التي أنشأها رئيس الجمهورية لإنقاذ المواطن لا ترد، فإلى من نلجأ؟

نتيجة لهذا الإهمال وبيئة العدوى وعدم الاستجابة لاستغاثتنا قبل الوفاة، تدهورت الحالة بشكل متسارع ومتوقع، حتى فارقت الحياة.

ثالثاً: معاناة لا تنتهي حتى بعد الموت.
بعد الوفاة، توجه شقيق المتوفاة إلى مكتب الصحة ببنها لاستخراج شهادة الوفاة الأصلية، فتم رفض تسليمه الشهادة بحجة أنه “أخ” وليس ابناً أو زوجاً، ويجب حضور ابنها أو زوجها. فماذا تفعل أسرة المتوفاة إذا كانت بلا أبناء أو مطلقة أو أرملة؟ وكيف تحصل على معاشها أو تنهي إجراءاتها في البنوك والمحاكم وهي لا تستطيع الحصول على شهادة وفاة؟

أنا لا أكتب اليوم للتشهير بأحد، ولا لتصفية حسابات، ولا طلباً لتعويض. أنا أكتب علنا نكون سبباً في المحافظة على حياة الآخرين، ممن هم الآن في هذه اللحظة، داخل نفس الرعاية المركزة، عرضة لنفس الذباب ونفس انعدام التعقيم ونفس غياب المسؤول.

الطب ليس مبنىً ولا جهازاً، الطب رحمة وإنسانية وضمير. وإذا غابت الرحمة، فلا قيمة لأي شيء.

أوجه هذا المقال إلى كل من هو معني بحياة المواطن المصري: إلى معالي وزير التعليم العالي، إلى رئيس جامعة بنها، إلى عميد كلية الطب، إلى هيئة الرقابة الإدارية، إلى كل طبيب لا يزال ضميره حياً.

أرجوكم، انزلوا إلى الرعاية المركزة في مستشفى جامعة بنها، ليس بتفتيش معلن، بل بزيارة فجائية مفاجئة، وانظروا بأعينكم. فربما تنقذون نفساً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock