حرب أكتوبر المجيدة.. ملحمة تاريخية انحنى لها التاريخ إجلالًا وعظمةً
بقلم / سماح محروس
في مثل هذه الأيام، يقف التاريخ إجلالًا وإكبارًا أمام واحدة من أعظم الملاحم الوطنية والعسكرية في تاريخ مصر الحديث، إنها حرب السادس من أكتوبر المجيدة، تلك الملحمة الخالدة التي سطّر فيها أبطال القوات المسلحة المصرية بدمائهم الطاهرة صفحات من العزة والكرامة والفداء، وأثبتوا للعالم أجمع أن إرادة الشعوب لا تُقهر، وأن كرامة الأوطان لا تُساوَم، وأن المستحيل يسقط أمام قوة الإيمان وصلابة العزيمة وحكمة التخطيط.
لم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية لاسترداد الأرض، بل كانت انتفاضة وطنية لاستعادة الكرامة، وتجسيدًا حيًّا لمعاني التضحية والانتماء والولاء لتراب الوطن الغالي، ورسالة تاريخية تؤكد أن الأمم العظيمة قد تتعرض للمحن والانكسارات، لكنها لا تفقد قدرتها على النهوض وصناعة النصر.
لقد واجهت مصر قبل حرب أكتوبر تحديات جسيمة، وظن البعض أن عبور قناة السويس وتحطيم التحصينات الإسرائيلية أمر يكاد يكون مستحيلًا، غير أن رجال القوات المسلحة المصرية امتلكوا من الإيمان والعلم والإرادة والتخطيط الاستراتيجي ما مكّنهم من تحويل المستحيل إلى واقع، وتحقيق إنجاز عسكري أصبح علامة بارزة في تاريخ الحروب الحديثة.
وفي السادس من أكتوبر عام 1973، الموافق العاشر من رمضان عام 1393 هجريًا، انطلقت القوات المصرية والسورية في عمليات عسكرية منسقة ضد القوات الإسرائيلية، لتبدأ واحدة من أبرز المواجهات العسكرية في التاريخ العربي الحديث.
واستطاع الجيش المصري العظيم عبور قناة السويس، واقتحام خط بارليف، وتحطيم أجزاء من تحصيناته، وإقامة رؤوس كباري شرق القناة، ورفع العلم المصري على أرض سيناء، في مشهد جسّد عظمة الإرادة المصرية وبراعة التخطيط العسكري وشجاعة المقاتل المصري.
وعلى الجبهة السورية، خاض الجيش السوري معارك ضارية على جبهة الجولان، وحقق تقدمًا مهمًا في المراحل الأولى من الحرب، في إطار المواجهة العربية المشتركة لاستعادة الأراضي المحتلة.
ولعل من أعظم الدلالات التي حملتها تلك الملحمة التاريخية أنها جاءت في شهر رمضان المبارك، شهر الصبر والإيمان والعزيمة، لتؤكد أن الإيمان بالله عز وجل كان مصدرًا عظيمًا للقوة المعنوية لدى الجنود، إلى جانب التدريب والانضباط والتخطيط العسكري الدقيق.
لقد امتزجت صيحات «الله أكبر» بأصوات المدافع، وتعانقت قوة العقيدة مع شجاعة المقاتلين، فكانت ملحمة وطنية جسّدت أسمى معاني التضحية والثبات.
قال الله تعالى:
﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: 160].
وكانت تلك المعاني الإيمانية حاضرة في وجدان المقاتل المصري الذي أدرك أن الدفاع عن الوطن وصون كرامته مسؤولية عظيمة، وأن النصر يحتاج إلى إيمان راسخ وعمل مخلص واستعداد وتضحية.
إن حرب أكتوبر لم تكن انتصارًا للسلاح وحده، وإنما كانت انتصارًا للعقل المصري، وللإرادة الوطنية، وللتخطيط العلمي المدروس، وللجندي الذي آمن بأن تحرير الأرض واجب لا يقبل التراجع.
وقد أثبتت تلك الحرب أن التفوق العسكري لا يُقاس بحجم الإمكانات وحدها، وإنما بقدرة الإنسان على توظيفها بكفاءة، وبما يمتلكه من شجاعة وانضباط ووعي وإيمان بعدالة قضيته.
ومن هنا، فإن الدروس المستفادة من نصر أكتوبر لا تقتصر على ميادين القتال، بل تمتد إلى مختلف مجالات الحياة، حيث تعلمنا أن بناء الأوطان يحتاج إلى الإرادة والعمل والمثابرة، وأن مواجهة التحديات تبدأ بالإيمان بالقدرة على تجاوزها.
فكما استطاع أبطال أكتوبر تحطيم الحواجز العسكرية التي بدت منيعة، تستطيع الشعوب الواعية أن تتجاوز العقبات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية متى امتلكت الرؤية الواضحة والإدارة الحكيمة والعمل الجاد.
إن روح أكتوبر ليست مجرد ذكرى نحتفل بها كل عام، وإنما هي منهج حياة، ومدرسة وطنية تتعلم منها الأجيال أن الكرامة تُصان بالتضحية، وأن السيادة تُحمى بالقوة والوعي، وأن المستقبل تصنعه الشعوب التي تؤمن بأوطانها وتعمل من أجل رفعتها.
وستظل دماء شهداء أكتوبر الأبرار أمانة في أعناق الأجيال المتعاقبة، وستظل بطولاتهم شاهدًا على أن مصر وطن عظيم، يمتلك من أبنائه المخلصين ما يجعله قادرًا على تجاوز المحن وصناعة المجد.
وإذا كانت حرب أكتوبر قد أعادت الثقة إلى الأمة المصرية، فإن مسؤولية الأجيال الحاضرة والقادمة تتمثل في الحفاظ على مكتسبات الوطن، وترسيخ قيم الانتماء والوحدة الوطنية، والعمل بإخلاص من أجل بناء دولة قوية آمنة مستقرة.
فالأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما تُبنى بالعلم والعمل والإنتاج والتضحية، وبالإيمان بأن مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
وستبقى حرب السادس من أكتوبر ملحمة خالدة، كتب أبطالها تاريخًا من نور، ووقف أمام تضحياتهم التاريخ إجلالًا، لتظل ذكراهم نبراسًا للأجيال، وعنوانًا للعزة والسيادة والكرامة الوطنية.
تحية إجلال وتقدير إلى أرواح شهدائنا الأبرار، وإلى كل جندي وقائد شارك في صناعة هذا المجد العظيم.
وتحية إلى القوات المسلحة المصرية التي ستظل رمزًا للفداء وحماية الوطن وصون مقدراته.
حفظ الله مصر حرةً عزيزةً آمنةً مستقرةً، وحفظ شعبها وجيشها وقيادتها، وأدام عليها نعمة الأمن والسلام والرخاء.
وكل عام ومصر وشعبها العظيم بخير وعزة وكرامة.



