الخصوصية خط أحمر… واحترام ذوق الجمهور مسؤولية الإعلام
بقلم سماح محروي
لا شك أن السنوات الأخيرة شهدت تصاعدًا ملحوظًا في اعتراض قطاعات من الجمهور على الطريقة التي تتناول بها بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي الحياة الخاصة للمشاهير والشخصيات العامة، وتحويل الخلافات الأسرية والشؤون الشخصية إلى مادة للعرض والتداول، رغم أن الأصل هو أن تبقى الحياة الخاصة في نطاق أصحابها، ما لم يكن هناك سبب مهني أو قانوني واضح يقتضي تناولها.
وقد برزت هذه الإشكالية بصورة واضحة في الجدل المتداول مؤخرًا حول الخلافات الأسرية المرتبطة بالكابتن حسام حسن، وما صاحبها من تداول واسع لمواد تتعلق بحياته الخاصة وأفراد أسرته، الأمر الذي أثار حالة من الجدل والاستياء بين متابعين رأوا أن هذه التفاصيل لا تضيف شيئًا إلى ما يخص عمله ومسؤوليته الرياضية.
ومن المهم هنا التأكيد على أن احترام الجمهور لشخصية رياضية بحجم حسام حسن وتقديره لما قدمه للكرة المصرية لا يعني بالضرورة أن تكون حياته الأسرية والخلافات الشخصية مادة مفتوحة أمام الجمهور.
فالجمهور الذي يتابع المسؤول الرياضي أو المدير الفني إنما يعنيه بالدرجة الأولى ما يتعلق بعمله، وأدائه، وقراراته، ونتائج المنتخب، وكل ما يرتبط بالمسؤولية العامة التي يتولاها. أما تفاصيل الحياة الأسرية، والخلافات الشخصية، والعلاقات الخاصة، فهي شأن يخص أصحابها في المقام الأول.
ومن هذا المنطلق، فإنني أرى أن احترام الخصوصية يجب أن يكون مبدأً أساسيًا في العمل الإعلامي، لا سيما في عصر أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي قادرة على تحويل أي خلاف شخصي إلى قضية عامة خلال ساعات.
الإعلام المهني لا يعني فقط نقل الخبر، وإنما يعني أيضًا معرفة متى يكون النشر حقًا للجمهور، ومتى يتحول إلى تدخل في حياة الأشخاص الخاصة. كما أن حرية الصحافة والإعلام لا تتعارض مع احترام الحياة الخاصة، بل إن احترام الخصوصية جزء أصيل من المسؤولية المهنية والأخلاقية للإعلام.
إن الجمهور نفسه له حق في أن يحدد ما يرغب في متابعته، وله أيضًا حق في أن يجد إعلامًا يحترم وقته واهتمامه، ولا يفرض عليه تفاصيل شخصية لا علاقة لها بالمسؤولية العامة أو المصلحة العامة.
ومن هنا تأتي أهمية أي إجراءات تنظيمية تهدف إلى ضبط المحتوى الإعلامي، ومنع تحويل الحياة الخاصة للأشخاص إلى مادة للإثارة أو المشاهدة أو تحقيق نسب التفاعل، مع ضرورة أن تتم هذه الإجراءات في إطار القانون والضوابط المهنية، وبما يحقق التوازن بين حرية الإعلام وحق الإنسان في الخصوصية.
وفي الوقت نفسه، فإن احترام الخصوصية لا ينبغي أن يكون انتقائيًا؛ فالمبدأ يجب أن ينطبق على الجميع، سواء كانوا مشاهير أو مسؤولين أو رياضيين أو أشخاصًا عاديين.
إن حياة الإنسان الخاصة ليست ملكًا للجمهور لمجرد أنه شخصية معروفة، والشهرة لا تعني سقوط الحق في الخصوصية.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم هي أن الإعلام مسؤولية قبل أن يكون مهنة، والحرية مسؤولية قبل أن تكون حقًا، والجمهور يستحق إعلامًا يحترم عقله ووقته وخصوصية الأشخاص في الوقت نفسه.
كل التقدير لكل جهد يسعى إلى تحقيق هذا التوازن، وإلى الحد من تحويل الخلافات الأسرية والشؤون الشخصية إلى مادة إعلامية تفرض نفسها على المشاهد دون حاجة أو مصلحة عامة.
فالخصوصية حق، واحترامها واجب، واحترام ذوق الجمهور مسؤولية، والقاعدة التي يجب ألا تغيب أبدًا: ما يخص الحياة الخاصة لأصحابها يظل لهم، ما لم توجد مصلحة عامة حقيقية ومبررة تستوجب طرحه.
حفظ الله مصر، وحفظ لأبنائها وعيهم، وجعل المصلحة العامة والاحترام والمسؤولية أساسًا لكل كلمة وصورة ورسالة تصل إلى الجمهور



