
إنجي بدوي تكتب: نتنياهو بين نارين .. ترامب يبتعد ونازا تتحول إلى ورقة انتخابية
يبدو بنيامين نتنياهو في هذه المرحلة محاصرًا بين جبهتين لا تقل إحداهما حساسية عن الأخرى، جبهة سياسية داخلية تقترب معها إسرائيل من استحقاقات انتخابية، وجبهة خارجية تتعلق بعلاقته بإدارة دونالد ترامب، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية على إسرائيل بسبب الحرب في غزة وما يرتبط بها من اتهامات وانتهاكات محل جدل دولي واسع.
وفي هذا المشهد المتشابك، لم تعد قضية فيلم نازا مجرد أزمة ثقافية أو جدل حول عمل فني، بل تحولت إلى مادة سياسية قابلة للتوظيف في معركة أوسع حول تعريف من يقف مع إسرائيل، ومن يمكن اتهامه بالإضرار بصورتها.
جاء التعامل مع قضية الفيلم في توقيت شديد الحساسية بالنسبة لنتنياهو فبدل أن يبقى النقاش محصورًا في المسؤولية عن الطريقة التي ظهرت بها صورة الجنود والإسرائيليين، أو كيف تم تسريب الشهادات والوثائق.
تظهر إحدى أهم نقاط المشهد نقل مركز الاهتمام من الأسئلة الثقيلة المتعلقة بالحرب، وأحداث السابع من أكتوبر، والمسؤوليات السياسية والأمنية عنها، إلى سؤال آخر أكثر قابلية للاستخدام في الخطاب الانتخابي: من يقف مع إسرائيل، ومن يضر بصورتها؟
هذا النوع من الخطاب يسمح لنتنياهو بإعادة ترتيب المشهد السياسي حول معادلة أكثر بساطة، الحكومة واليمين في جهة، وفي الجهة الأخرى معسكر يمكن ربطه باليسار، وبالقوى العربية، وبالاستعداد لإقامة دولة فلسطينية، وصولًا إلى الإيحاء بأن بعض خصومه السياسيين يتقاطعون، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مع رواية حماس؛ وبذلك تتحول قضية الفيلم من ملف ثقافي إلى أداة في معركة سياسية أوسع.
فربط شخصيات من معسكر الوسط واليسار، مثل غادي آيزنكوت ويائير جولان، بالكتلة العربية أو باتجاهات سياسية مؤيدة لإقامة دولة فلسطينية، يمكن أن يضع خصوم نتنياهو أمام معادلة شديدة التعقيد إما الدفاع عن مواقفهم السياسية، أو الدخول في مواجهة مع خطاب أمني يضع كل من يختلف مع الحكومة أمام سؤال انتماءك للدولة اليهودية.
وهنا تكمن قيمة القضية بالنسبة إلى نتنياهو، فهي تمنحه موضوعًا يستطيع من خلاله إعادة رسم الخريطة السياسية وفق ثنائية نحن في مواجهة الآخرين.
وتكتسب هذه الزاوية أهمية إضافية مع زيارة نتنياهو المرتقبة إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإذا قرر نتنياهو إدخال قضية نازا في خطابه أمام المجتمع الدولي، فلن يكون الفيلم حينها مجرد موضوع ثقافي، بل يمكن أن يتحول إلى مثال ضمن رواية سياسية أوسع تتحدث عن استهداف إسرائيل وجنودها ومحاولات تقديمها أمام الرأي العام العالمي بصورة مختلفة عن الرواية الإسرائيلية.
فنتنياهو يواجه في نيويورك بيئة دولية تنصب فيها الأنظار على الحرب في غزة، وعلى الوضع الإنساني، وعلى مستقبل القطاع، وعلى القضية الفلسطينية، وفي المقابل، تستطيع إسرائيل أن تحاول نقل جزء من النقاش إلى قضايا تتعلق بما تعتبره استهدافًا سياسيًا وإعلاميًا لها؛ وبهذا المعنى، قد تتحول نازا من قصة بدأت في المجال الفني إلى ورقة خطابية تُستخدم في مواجهة الانتقادات الدولية.
كل ذلك يحدث في الوقت الذي يواجه فيه نتنياهو تحديًا آخر يتعلق بعلاقته مع واشنطن، وسط احتمالية عدم عقد لقاء مباشر مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال وجوده في الولايات المتحدة وفي حال تأكد غياب اللقاء، فقد يثير ذلك تساؤلات حول مستوى الدعم السياسي الذي يحظى به نتنياهو من الإدارة الأميركية، وما إذا كانت العلاقة مع ترامب، التي شكلت إحدى أبرز أوراقه السياسية خلال السنوات الأخيرة، بدأت تواجه اختبارًا جديدًا، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.
وهنا تظهر المفارقة؛ نتنياهو يتحرك بين نارين: الأولى هي واشنطن، حيث لا يستطيع تجاهل موقف الإدارة الأميركية ولا حجم العلاقة السياسية والأمنية بين إسرائيل والولايات المتحدة.
والثانية هي الداخل الإسرائيلي، حيث تظل صورته السياسية مرتبطة بالحرب، وبأحداث السابع من أكتوبر، وبالقضايا والتحقيقات التي تلاحقه، وبالسؤال الأكبر حول المسؤولية السياسية والأمنية عما حدث.
وتبدو المرحلة المقبلة أكثر تعقيدًا بما سيحدث خلف الكواليس، سواء في واشنطن أو تل أبيب؛ فنتنياهو أمام واقع سياسي متغير، وأي خطوة جديدة قد تحمل انعكاساتها على موقعه داخل الحكومة وعلى حساباته الانتخابية وبينما تتسع مساحة الجدل حوله، تبقى قدرته على الحفاظ على تماسك معسكره وإدارة علاقاته الخارجية أحد أبرز اختبارات المرحلة المقبلة.



