أقلام حره

وجيه نزيه” يكتب : سلطان الإدارة حين يرتدي الموظف عباءته الكاحلة .

 

ما أن تطأ قدمك عتبات أي مصلحة خدمية حكومية حتى تستقبلك حقيقة مُرة تتكرر كل يوم على مَرمى البصر و ما نتطرق له من واقع هذة الحياة من مظالم مُتعثرة بشكواها إلينا عبر مراكز الحقوق .. حيث يعتلي أحدهم مَقعده مُتخذاً من الشباك عرشاً ،و يتعامل مع المواطن و كأنه جاء مُتوجاً بمملكته الخاصة ليقف الموظف بمثابة الآمر الناهي الذي يمنح الحق لمن رضي عنه و يعطل المصالح إذا غضب ،و يطالبك حيناً بأن تثبت له أنك بالأساس تستحق الوقوف أمامه بهذا الشكل الغير لائق أخلاقياً !

فما نتابعه في رصدنا اليومي كمراكز حقوقية تكرس جهودها للدفاع عن الكرامة الإنسانية في ظل مساعي و مُنجزات أجهزة الدولة المصرية بالوعي و الرفق و اللين و الإحترام .. إلي أن و ما يتردد في شكاوى المواطنين ،و تحديداً تلك الجموع الغفيرة من الشيوخ و العجائز فوق الستين ممن أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن .. حيث يُروي قصصاً مُؤلمة عن تطاول مُعلن و إشارات بذيئة باليد و الأصابع تفتقر لأدنى قواعد الإحترام و تعبيرات وجه و سلوكيات تتجرد تماماً من أبسط قواعد المهنية و الأخلاق .

و على هذا فإن المشكلة الحقيقية ليست أبداً في الموظف الذي يطبق القانون بحذافيره ،و لكن في ذلك الذي يعتقد أن القانون هو مزاجه الشخصي و هواه ،و أن توقيعه أقوى من نصهُ ،و أن المواطن البسيط جاء يتحايل عليه ليحصل على حقه الأصيل لا هبة منه ناسياً أنه وُضع في هذا المكان لخدمة الناس لا ليتحكم فيهم أو يذل كرامتهم .

و على مُجمل هذه الظاهرة و التحول الإداري العميق حين يتجاوز الموظف روتين وظيفته اليومية و حدود اللوائح الجافة ليصبح مرجعاً هادئاً و قائداً مُحنكاً يملأ مكانه وقاراً .. حيث يستمد هيبته الحقيقية و سلطانه الناعم من الخبرة و الرصانة و العمق المؤسسي المُتراكم ،و ليس لمجرد سلطته الشكلية أو قراراته الفوقية .. تماماً كما تضفي مقصد عبارتي بمدلولها المجازي و قاراً و شمولية على من يدير شئون العمل بإقتدار و حكمة بالغة و تَرَيُس و تَكريس .

و إنها و بكل إختصار دكتاتورية صغيرة جداً ،و لكنها تتكرر ببعض المكاتب إذ لم نقل أغلبيتها ،و حين لا يجد البعض مُتسعاً للسلطة يكفيهم تماماً أن يمسكوا بقلم و ختم ليمارسوا سطوتهم على أعصاب الكبار و أبسط مطالبهم و حقوقهم .. غير أن هذا التمادي الخطير يعيدنا بالضرورة إلى توازن الميزان القانوني القائم و الولوج الأخلاقي الوقور .. فكما أن نصوص القانون تحمي الموظف العام و تغل يد أي مواطن قد يتجاوز في حقه أثناء أداء عمله .. فمن العدل و المنطق و المواطنة ابضاً أن يدافع القانون و بنفس الصرامة عن المواطن البريء الذي يتعرض للإهانة و التطاول من موظف لا يستحق مقعداً خُصص بالأصل لخدمة الناس لا لإهانتهم .. لأنه يمثل واجهة شئون الدولة و حماية هيبة مؤسساتها فلا تتحقق أبداً بترهيب المواطنين ،و لكنها بصون كرامتهم و منع العابثين بمصالحهم من تحويل المرافق العامة إلى حلبات مصارعة للإمتهان و التعذيب النفسي .

و ختاماً و من هنا تصبح الحاجة مُلحة و عاجلة لإستصدار شهادات تدريبية لكافة الموظفين القدامى و المُقبلين على التوظيف ليدرسوا جميعاً أصول اللياقة و الآداب الواجب تطبيقها في حُسن الإستقبال و سرعة التيسير و حل المشكلات كمنج تنموي مُستدام على سبيل ما سبق إنجازه بإستراتيجية الدولة المصرية في إعداد القادة و إدارة الأزمات .. لنضمن أن يدرك الجميع أن الموظف الحقيقي هو خادم أمين لهذا الشعب ،و ليس حاكماً بأمره على أرزاق الناس و بغيض لكرامتهم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock