
نهال الشافعى تكتب : هل وقعنا في «قاع الهامور»
بقلم /نهال الشافعي الباحثة فى العلوم السياسية والاستراتيجية
أحيانًا لا تحتاج الظاهرة الجديدة إلى وقت طويل حتى تلفت الانتباه. يكفي أن يظهر اسم غريب، وأن تضحك عليه مجموعة من الناس، ثم تنتقل الضحكة من شخص إلى آخر، حتى نجد أنفسنا أمام تجمع لم يكن موجودًا بالأمس، أصبح اليوم حديث عدد هائل من المصريين. وهذا بالضبط ما يجعل «قاع الهامور» أكثر إثارة للاهتمام من مجرد كونه جروبًا بدأ بالهزار؛ لأن المسألة هنا ليست في النكتة نفسها، وإنما في الطريقة التي تحولت بها النكتة إلى تجمع، والتجمع إلى ظاهرة، والظاهرة إلى مساحة ضخمة من الجمهور في وقت قصير جدًا.
أنا لا أريد أن أفسد على أحد ضحكته، ولا أن أتعامل مع كل شيء جديد باعتباره مؤامرة. بالعكس، ربما تكون الحكاية كلها بدأت ببساطة شديدة؛ مجموعة من الناس أرادت أن تضحك، ثم جاءت خفة الدم المصرية المعتادة لتفعل ما تجيده دائمًا: تحويل فكرة صغيرة إلى حالة عامة. ومن حق الناس أن تضحك، وأن تبحث عن مساحة تخفف عنها ضغط الأخبار والحياة والعمل، وأن تجد في السخرية متنفسًا من واقع أصبح أكثر ثقلًا من قدرتنا اليومية على الاحتمال.
لكن ما شدني في «قاع الهامور» لم يكن الهزار، وإنما السرعة. سرعة إنشاء المحتوى، وسرعة انتشار الصور، وسرعة دخول الناس، وسرعة تحول الاسم نفسه إلى حديث عام. وهذه السرعة ليست دليلًا في حد ذاتها على وجود جهة منظمة أو هدف خفي، لكنها ظاهرة تستحق أن نتوقف أمامها، لأننا نعيش في زمن أصبحت فيه القدرة على تكوين تجمع جماهيري خلال ساعات جزءًا من معادلة القوة الجديدة.
واللافت أن الأمر لم يتوقف عند الضحك والتفاعل. مع اتساع التجمع، بدأ بعض أصحاب المحلات والمعلنين وأصحاب المنتجات يكتشفون أن أمامهم جمهورًا ضخمًا يمكن الوصول إليه من دون تكلفة الإعلان التقليدية، فبدأت تظهر محاولات للاستفادة من الجروب كمساحة للدعاية المجانية. محل يعرض منتجاته، شخص يعلن عن خدمة، وآخر يستغل حجم التفاعل ليصل إلى عدد من الأشخاص لم يكن من السهل أن يصل إليهم بهذه السرعة خارج العالم الافتراضي. وهنا تحدث أول إشارة مهمة: السوق نفسه بدأ يكتشف قيمة هذا الجمهور.
وهذا ليس تفصيلًا هامشيًا. عندما يبدأ المعلن في النظر إلى أعضاء الجروب باعتبارهم جمهورًا يمكن الوصول إليه، فهذا يعني أن التجمع اكتسب قيمة تتجاوز محتواه الأصلي. القيمة هنا ليست فقط في عدد الأعضاء، وإنما في الانتباه الذي يستطيع هذا العدد أن يمنحه لأي محتوى يدخل إلى مساحته. وفي عصر أصبحت فيه القدرة على جذب الانتباه سلعة بحد ذاتها، فإن التجمعات الرقمية الكبيرة تتحول تلقائيًا إلى مساحات ذات قيمة اقتصادية وإعلامية واجتماعية.
وهنا تبدأ الحكاية في أخذ بُعد آخر. فالجمهور الكبير ليس مجرد رقم مكتوب بجوار اسم الجروب. عندما يتجمع هذا العدد من الناس حول مساحة واحدة، يبدأ بينهم تكوين لغة مشتركة ومزاج مشترك ومرجعيات مشتركة. قد يكون الرابط في البداية مجرد نكتة، لكن استمرار التفاعل يصنع شيئًا أكبر: شعورًا بأن هناك جماعة «نحن» في مقابل عالم خارجي «هم». وهذه واحدة من أهم خصائص المجتمعات الرقمية الحديثة؛ أنها تستطيع أن تصنع الإحساس بالانتماء بسرعة شديدة، حتى بين أشخاص لم يلتقوا في حياتهم.
وهنا تحديدًا تظهر القوة الاجتماعية للظاهرة.
فما يبدأ باعتباره ترفيهًا قد يتحول، مع الوقت، إلى مساحة لصناعة المزاج العام. ليس بالضرورة لأن أحدًا قرر ذلك، وإنما لأن التكرار والتفاعل والحضور الجماعي قادرون على جعل فكرة معينة تبدو أكثر انتشارًا مما هي عليه بالفعل. وكلما رأى المستخدم آلاف الأشخاص يضحكون على الشيء نفسه أو يغضبون منه أو يكررون العبارة نفسها، يصبح من السهل أن يشعر بأن هذا هو المزاج العام للمجتمع كله، بينما قد يكون في الحقيقة مزاج مجتمع رقمي محدد.
وهذه نقطة سياسية بامتياز، حتى لو لم يتحدث أحد داخل الجروب عن السياسة.
فالرأي العام في العصر الرقمي لم يعد يتشكل فقط داخل الأحزاب والصحف والبرامج والنقاشات التقليدية. أصبح يتشكل أيضًا داخل المجتمعات الافتراضية، حيث تتكون المواقف أحيانًا من التكرار والتفاعل والانفعال قبل أن تتكون من المعلومات والتحليل. ولذلك فإن قوة أي تجمع رقمي لا تقاس فقط بما يقوله، وإنما بقدرته على جعل ما يقوله حاضرًا ومتكررًا ومرئيًا.
وهنا يأتي دور الخوارزميات.
الخوارزمية لا تعرف أن هذه الصورة «هزار» وتلك الصورة «سياسة». ما يعنيها هو التفاعل: هل توقف الناس عند المحتوى؟ هل شاركوه؟ هل علقوا؟ هل عادوا إليه؟ وكلما ارتفع التفاعل، زادت احتمالات أن يصل المحتوى إلى مزيد من الأشخاص، فتتسع الدائرة أكثر. ومن هنا يمكن أن تنشأ قوة لا تحتاج إلى غرفة عمليات تقليدية؛ الجمهور يتفاعل، والخوارزمية تضخم، والجمهور الجديد يعيد التفاعل، فتتضخم الظاهرة مرة أخرى.
وهنا أيضًا يجب ألا نقع في فخ آخر: أن نعتبر الخوارزمية نفسها مؤامرة. ليست كل ظاهرة تنتشر عبر المنصات نتيجة تدخل منظم. لكن فهم طريقة عمل هذه المنصات أصبح جزءًا أساسيًا من فهم كيفية صناعة التأثير في عصرنا. فالذي يستطيع جذب الانتباه يستطيع أن يدخل إلى دائرة التأثير، حتى لو لم يكن قد خطط لذلك في البداية.
والذكاء الاصطناعي أضاف طبقة جديدة إلى هذه المعادلة. إنتاج الصور والمحتوى أصبح أسرع وأسهل، وأصبح من الممكن أن تتحول فكرة واحدة إلى عشرات النسخ خلال وقت قصير، ثم تتحول هذه النسخ إلى موجات جديدة من التفاعل. وهنا لم تعد المشكلة في القدرة على إنتاج المحتوى، وإنما في القدرة على إدارة الانتباه الذي ينتجه هذا المحتوى.
وهذا يفسر جانبًا من سرعة الظاهرة، لكنه لا يقدم وحده إجابة كاملة. هل الجمهور هو الذي صنع «قاع الهامور»؟ هل الخوارزميات ضخمته؟ هل طبيعة المحتوى الساخرة جعلته قابلًا للانتشار؟ أم أن كل هذه العناصر اجتمعت معًا في اللحظة المناسبة؟ ربما تكون الإجابة مزيجًا من كل ذلك.
ولهذا لا أحب القفز إلى الاستنتاجات. ليس كل انتشار سريع دليلًا على وجود جهة خلفه، وليس كل تجمع كبير مشروعًا سياسيًا، وليس كل شخص دخل ليضحك يحمل هدفًا آخر. وقد يكون «قاع الهامور» في النهاية مجرد موجة كوميدية ضخمة تنتهي كما بدأت.
لكن العفوية لا تعني غياب التأثير.
وهنا الفرق الذي يستحق أن نفهمه. قد تبدأ الظاهرة عفوية تمامًا، ثم يكتشف آخرون قيمتها. المعلن اكتشف قيمة الجمهور، وصاحب المحل اكتشف أن بإمكانه الوصول إلى عملاء محتملين، وصانع المحتوى اكتشف أن أمامه مساحة ضخمة للتفاعل، وهذا وحده يكشف أن التجمع أصبح موردًا من موارد الانتباه. وإذا كان الاستخدام التجاري ظهر بهذه السرعة، فمن الطبيعي استراتيجيًا أن نسأل عن الاستخدامات الأخرى الممكنة لأي تجمع بهذا الحجم، من دون أن نفترض أنها تحدث بالفعل.
وهنا تحديدًا يصبح الوعي أهم من الخوف.
الوعي لا يعني أن نقول للناس اخرجوا من الجروب، ولا أن نحول كل صورة إلى رسالة سياسية، ولا أن نضع كل ظاهرة شعبية في خانة المؤامرة. لكنه يعني أن نعرف أن أي تجمع جماهيري، بمجرد أن يصل إلى حجم معين، يصبح قادرًا على إنتاج تأثير يتجاوز نوايا أفراده.
فقد يدخل شخص ليضحك، ويدخل آخر ليعلن عن منتجه، ويدخل ثالث ليبحث عن جمهور، ويدخل رابع لأنه وجد الجميع هناك. وبعد فترة يصبح الجميع جزءًا من مساحة واحدة لها مزاجها الخاص. وهنا يمكن أن يتحول الجمهور نفسه إلى قوة، حتى لو لم يقرر أفراده يومًا أن يكونوا قوة.
وهذا هو الجزء الذي يجعلني أراقب الظاهرة، لا أخاف منها.
لأن السؤال الحقيقي ليس من وراء «قاع الهامور»؟ فهذا سؤال يحتاج إلى أدلة، ولا أملك دليلًا يسمح لي بإجابة من هذا النوع. السؤال الأهم هو: ماذا يمكن أن يحدث عندما يتحول تجمع بدأ بالضحك إلى مجتمع رقمي بهذا الحجم؟
هل يظل الضحك ضحكًا؟ هل تظل السخرية مجرد سخرية؟ هل يظل الجمهور مجرد جمهور؟ أم أن التفاعل المستمر يبدأ في صناعة اتجاهات ومواقف ومزاج عام؟
لا أحد يستطيع أن يحسم الإجابة الآن، وربما لا يحدث شيء مما نخشى أو نتوقع. لكن السياسة الحديثة لم تعد تستطيع تجاهل هذه المساحات، لأن تشكيل الرأي العام أصبح يحدث في أماكن لم تكن المؤسسات التقليدية تعتبرها ذات أهمية قبل سنوات قليلة.
وهنا تكمن المفارقة: نحن الذين دخلنا العالم الافتراضي بحثًا عن مساحة للهروب من الواقع، أصبحنا نكتشف أن هذا العالم نفسه قادر على التأثير في الواقع.
ولهذا فإن «قاع الهامور» قد يكون مجرد جروب ساخر، وقد يكون مجرد موجة وتنتهي، وهذا حقه وحق أعضائه. لكن الظاهرة التي ظهرت حوله أكبر من الاسم نفسه. إنها تذكرنا بأن المجتمع الرقمي أصبح قادرًا على تكوين تجمعات ضخمة بسرعة مذهلة، وأن الانتباه أصبح نوعًا من القوة، وأن الجمهور الذي يبدو في البداية مجرد مجموعة من الأشخاص الذين يضحكون يمكن أن يصبح، مع الوقت، جمهورًا له قيمة اقتصادية واجتماعية وإعلامية، وربما سياسية أيضًا.
ولا أقول ذلك للتخويف، ولا لإفساد الضحكة، ولا لإدانة أحد.
أقوله لأن أفضل طريقة لحماية المجتمع من أي استغلال محتمل للعالم الرقمي ليست أن نمنع الناس من الضحك، وإنما أن نرفع قدرتهم على التمييز؛ أن يعرفوا متى يشاهدون محتوى للترفيه، ومتى يتعاملون مع معلومة، ومتى يميزون بين الرأي والحقيقة، ومتى يسألون أنفسهم لماذا يرون هذا المحتوى تحديدًا وبكثافة شديدة.
فربما تكون «قاع الهامور» مجرد موجة وتنتهي، وربما تستمر، وربما تتحول إلى شيء آخر تمامًا. كل الاحتمالات مفتوحة، وما زال الوقت مبكرًا على إصدار الأحكام.
لكن المؤكد أن شيئًا تغير بالفعل: أصبح بإمكان فكرة صغيرة أن تجمع جمهورًا هائلًا في وقت قصير، وأصبح بإمكان هذا الجمهور أن يجذب المعلنين، ويصنع المزاج، ويولد المحتوى، ويؤثر في النقاش العام من دون أن يملك بالضرورة قيادة تقليدية أو هيكلًا واضحًا.
وهنا ربما يكون السؤال الحقيقي ليس: «من وراء قاع الهامور؟» وإنما: ماذا يحدث لنا عندما ننزل جميعًا إلى القاع نفسه؟
هل نظل مجرد أشخاص يضحكون على صورة؟ أم أننا، من دون أن نشعر، نصبح جزءًا من مزاج جماعي قادر على التأثير فينا وفي غيرنا؟
لا أعرف.
لكنني أعرف أن أفضل وقت لطرح هذا السؤال هو الآن، ونحن ما زلنا قادرين على الضحك.
لأن المشكلة لا تبدأ عندما يصبح الهزار جادًا.
المشكلة تبدأ عندما يصبح جادًا… ولا نلاحظ.



