أقلام حره

نهال الشافعي تكتب: من الخبر إلى الفتنة.. عندما تتحول المعلومة غير الموثقة إلى أزمة

 

لم تعد الأزمات تبدأ دائمًا من الحدث نفسه، بل قد تبدأ من الطريقة التي يصل بها الحدث إلى الجمهور.

واقعة محدودة، أو مشكلة حقيقية، أو مشهد يحتاج إلى تفسير، يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى قضية واسعة التأثير، ليس بسبب حجم الواقعة وحده، وإنما بسبب ما يحيط بها من معلومات ناقصة، وتفسيرات متعجلة، وروايات تُطرح قبل أن تكتمل الصورة.

في البيئة الرقمية، يتحرك الخبر أسرع بكثير من عملية التثبت منه. وما كان يحتاج في السابق إلى وقت حتى يصل إلى الجمهور، أصبح ينتشر في دقائق، بينما قد يحتاج تصحيحه إلى وقت أطول بكثير.

وهنا تبدأ المشكلة: عندما يصبح المتداول هو الذي يرسم صورة القضية قبل أن تتضح حقيقتها.

حين يسبق الخبرُ التحققَ

الخطأ في نقل المعلومات ليس أمرًا جديدًا، لكن الجديد هو حجم التأثير الذي يمكن أن يصنعه خلال وقت قصير.

قد تبدأ الحكاية بعنوان مثير، أو صورة بلا سياق، أو مقطع قديم يُعاد تقديمه باعتباره مرتبطًا بواقعة جديدة، أو تعليق من حساب مجهول. ثم تأتي إعادة النشر لتمنح المحتوى حضورًا واسعًا، لا لأنه ثبتت صحته، وإنما لأنه أصبح حاضرًا في كل مكان.

ومع انتقاله من حساب إلى آخر، تختلط الواقعة الأصلية بما أضيف إليها من استنتاجات وتعليقات، حتى يصبح الفصل بين ما حدث فعلًا وما قيل عنه أكثر صعوبة.

والقاعدة هنا واضحة: كثرة التداول لا تمنح المعلومة صفة الحقيقة، وتكرار الرواية لا يحولها إلى دليل.

المشكلة أن الجمهور قد يتفاعل مع تفسير كامل قبل ظهور التفاصيل التي تسمح بالحكم عليه. وعندما تصل المعلومات الدقيقة لاحقًا، تكون الانطباعات الأولى قد تشكلت بالفعل.

عندما يصبح التداول بديلًا عن المصدر

من أكثر المشاهد إرباكًا أن يتحول السؤال من «من أين جاءت هذه المعلومة؟» إلى «كم شخصًا نشرها؟».

وهكذا تصبح كثافة الانتشار معيارًا ضمنيًا للثقة، حتى لو كان المحتوى بلا مصدر واضح، أو منقولًا عن حساب آخر، أو مبتورًا من سياقه، أو مرتبطًا بواقعة مختلفة.

المشكلة هنا ليست في منصات التواصل ذاتها، ولا في متابعة القضايا التي تشغل المجتمع، وإنما في اختزال المشهد كله فيما يظهر على الشاشة.

قد يبدأ الأمر بمنشور، ثم يضاف إليه تعليق، ثم يعاد تقديم التعليق باعتباره معلومة، قبل أن تُبنى عليه رواية كاملة. ومع تتابع هذه الخطوات، يصبح من الصعب معرفة النقطة التي انتهت عندها الواقعة وبدأت الإضافات التي صنعها التداول.

وهنا تكمن حساسية البيئة الرقمية وقت الأزمات: فالمحتوى لا ينتقل كما هو بالضرورة، وإنما قد يتغير مع كل إعادة تقديم له.

القضية الحقيقية لا تجعل كل ما يقال عنها صحيحًا

تزداد المسألة حساسية عندما يتعلق الأمر بمشكلة موجودة بالفعل في الشارع.

وجود قضية حقيقية يعني أن هناك مساحة مشروعة للسؤال والنقاش والمطالبة بالتوضيح والمعالجة، لكنه لا يعني أن كل ما ينشر بشأنها يصبح صحيحًا تلقائيًا.

وهنا يظهر الفارق بين طرح قضية تستحق الاهتمام، وبين توسيع حالة الالتباس حولها.

الطرح المسؤول يمكن أن يكشف جوانب تحتاج إلى معالجة، بينما قد يؤدي الخلط بين الوقائع والتفسيرات إلى نقل النقاش من البحث عن الحل إلى تبادل الاتهامات.

والأخطر أن بعض القضايا قد تتحول إلى مادة مستمرة لإعادة إنتاج التوتر، بحيث يصبح استمرار الجدل أهم من الوصول إلى حقيقة ما جرى.

لذلك، فإن التعامل المسؤول مع أي واقعة لا يعني تجاهلها أو التقليل من شأنها، وإنما وضعها في سياقها الصحيح، والتمييز بين ما تأكد وما يزال قيد الفحص، وبين الحدث نفسه وما أضيف إليه من استنتاجات.

الفراغ المعلوماتي يفتح الباب للتخمين

في الأزمات، لا تنتظر المعلومات دائمًا حتى تكتمل.

عندما تتأخر البيانات الموثوقة، تبدأ التفسيرات في شغل المساحة المتاحة، وكلما طال غياب الصورة الواضحة، زادت احتمالات تعدد الروايات.

ومن هنا يصبح الاتصال الرسمي جزءًا من إدارة الأزمة، وليس مجرد نشاط إعلامي يأتي بعدها.

المطلوب ليس أن تتحدث الدولة في كل لحظة أو أن تقدم إجابات قبل اكتمال المعلومات، وإنما أن يكون هناك حضور واضح يحدد ما هو معروف، وما لم تتضح تفاصيله بعد، وما يجري التحقق منه.

هذه الرسالة البسيطة يمكن أن تقلل مساحة واسعة من التخمين.

فالجمهور لا يحتاج دائمًا إلى إجابة فورية عن كل التفاصيل، بقدر حاجته إلى معرفة أين تقف المعلومات المؤكدة في هذه اللحظة.

ولهذا تحتاج مؤسسات الدولة إلى آليات واضحة لإدارة الاتصال أثناء الأزمات، بحيث تصل البيانات من مصدر محدد، وبصياغة دقيقة، ويتم تحديثها كلما ظهرت معلومات جديدة.

من رد الفعل إلى إدارة الأزمة

التعامل مع الاضطراب المعلوماتي لا ينبغي أن يبدأ بعد اتساع تأثيره.

هناك فارق بين تصحيح محتوى انتشر بالفعل، وبين بناء آلية اتصال تقلل فرص الالتباس منذ بداية الحدث.

الأول يأتي بعد أن تكون الانطباعات قد تشكلت، بينما يسعى الثاني إلى الحد من مساحة الغموض قبل أن تتحول إلى أزمة.

وهذا يتطلب تطوير أدوات الاتصال الحكومي، وتحديد الجهات المخولة بإصدار المعلومات، وسرعة التحرك عندما تستدعي الظروف ذلك، وعدم ترك القضايا التي تشغل الرأي العام لفترات طويلة دون توضيحات كافية.

كما يتطلب تنسيقًا بين الجهات المعنية، لأن تعدد الرسائل أو تضاربها قد يزيد الارتباك حتى عندما تكون المعلومات الأساسية صحيحة.

الدولة القوية في إدارة الأزمات ليست التي تمنع النقاش حول القضية، وإنما التي تضمن وجود المعلومة الموثوقة داخل هذا النقاش.

المسؤولية لا تقع على المؤسسات وحدها

رغم أهمية الدور المؤسسي، تظل مسؤولية المجتمع أساسية.

فكل مستخدم يشارك محتوى غير موثق يصبح، بقصد أو دون قصد، حلقة جديدة في سلسلة انتشاره.

ولهذا يمكن لقواعد بسيطة أن تصنع فارقًا كبيرًا: التوقف قبل المشاركة، البحث عن المصدر الأصلي، مقارنة المعلومات، الانتباه إلى تاريخ الصور والمقاطع، وعدم اعتبار الحسابات المجهولة مصادر موثوقة لمجرد أنها سبقت غيرها في النشر.

وهذا لا يعني مطالبة الناس بالصمت أمام القضايا العامة، بل على العكس؛ فالمجتمع الذي يناقش مشكلاته بصورة مسؤولة يكون أكثر قدرة على الوصول إلى حلول حقيقية.

لكن النقاش العام يحتاج إلى أرضية من الحقائق، لأن القضية العادلة قد تخسر الكثير عندما تحيط بها معلومات غير دقيقة.

في النهاية، لم تعد إدارة الأزمات تقتصر على التعامل مع الحدث على الأرض، وإنما أصبحت تشمل أيضًا الطريقة التي تُدار بها المعلومات المحيطة به.

فبين الواقعة وما يصل إلى الجمهور مسافة قد تصنعها كلمة، أو صورة، أو عنوان، أو رواية ناقصة.

والتحدي الحقيقي ليس في وضع الدولة في مواجهة منصات التواصل، ولا في المفاضلة بين حق الناس في المعرفة وحق المؤسسات في حماية المعلومات، وإنما في تحقيق التوازن الذي يضمن وصول الحقيقة في الوقت المناسب، ويحافظ في الوقت نفسه على حق المجتمع في النقاش دون أن يتحول النقاش إلى فوضى معلوماتية.

فالخبر قد يكون شرارة، لكن طريقة التعامل معه هي التي تحدد إن كان سيبقى خبرًا، أم يتحول إلى أزمة.

وأحيانًا، لا تبدأ الفتنة من كذبة كاملة، وإنما من معلومة ناقصة وصلت قبل الحقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock