أقلام حره

محمد ابوالعجب يكتب : 30 يونيو الثورة التي أعادت للأشخاص ذوي الإعاقة حقهم في وطن لا يعرف التمييز

 

إذا كانت ثورة 30 يونيو قد أنقذت الدولة المصرية من السقوط، فإنها في الوقت نفسه أعادت بناء مفهوم الدولة الحديثة؛ دولة لا تُقاس قوتها بما تمتلكه من مشروعات وطرق ومدن فقط، بل بقدرتها على حماية حقوق مواطنيها جميعًا، وفي مقدمتهم الأشخاص ذوو الإعاقة.

لقد كانت قضية الأشخاص ذوي الإعاقة، لسنوات طويلة، تتأرجح بين النظرة الإنسانية الضيقة والعمل الخيري المحدود، بينما كانت الحقوق المؤجلة أكبر بكثير من الخدمات المقدمة. ولم يكن التحدي في غياب الإرادة الفردية، بقدر ما كان في غياب رؤية دولة تعتبر الأشخاص ذوي الإعاقة جزءًا أصيلًا من عملية التنمية.

ومع قيام ثورة 30 يونيو، وانطلاق الجمهورية الجديدة بقيادة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، تغيرت هذه المعادلة بالكامل.

ولأول مرة، لم يعد الأشخاص ذوو الإعاقة ملفًا اجتماعيًا أو موسميًا، بل أصبحوا جزءًا من الأمن القومي الاجتماعي للدولة، وعنصرًا أساسيًا في رؤية مصر للتنمية المستدامة، وشريكًا في بناء الجمهورية الجديدة.

ولم يكن هذا التحول مجرد تصريحات أو شعارات، بل تُرجم إلى قرارات وتشريعات وسياسات غير مسبوقة.

فصدر قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018، الذي يعد من أكثر القوانين تقدمًا في تاريخ مصر، بعدما نقل العلاقة بين الدولة والشخص ذي الإعاقة من مفهوم الرعاية إلى مفهوم الحقوق الملزمة، وألزم جميع مؤسسات الدولة باحترام مبادئ المساواة وعدم التمييز والإتاحة والدمج الكامل.

ولأول مرة في تاريخ الدولة المصرية، ظهرت بطاقة الخدمات المتكاملة كوثيقة رسمية موحدة تمنح الأشخاص ذوي الإعاقة وسيلة لإثبات الحقوق والاستفادة من المزايا التي كفلها القانون، لتصبح نقطة تحول حقيقية في تنظيم الخدمات وربطها بحقوق واضحة ومحددة.

كما شهدت مصر إطلاق الاحتفالية الرئاسية السنوية “قادرون باختلاف”، والتي لم تكن مجرد مناسبة احتفالية، بل أصبحت منصة وطنية لإعلان قرارات رئاسية جديدة كل عام، ومتابعة تنفيذها، والاستماع مباشرة إلى قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم، وهو أمر لم تشهده الدولة المصرية من قبل.

وامتد الاهتمام إلى ملف الحماية الاجتماعية، فتم إدراج مئات الآلاف من الأشخاص ذوي الإعاقة ضمن برامج الدعم النقدي، وتقديم إعفاءات وتيسيرات في مجالات الإسكان والنقل والجمارك والسيارات المجهزة والخدمات الحكومية، بما يخفف الأعباء الاقتصادية عنهم وعن أسرهم.

وفي قطاع التعليم، تغيرت فلسفة الدولة من إنشاء مدارس معزولة إلى ترسيخ مفهوم التعليم الدامج، مع تطوير اللوائح التعليمية، وتوفير غرف المصادر، ووسائل التعليم المساندة، وإتاحة الفرصة للطلاب من ذوي الإعاقة للالتحاق بالتعليم الجامعي وممارسة الأنشطة المختلفة دون تمييز.

وفي قطاع الصحة، توسعت الدولة في خدمات الكشف المبكر والتدخل المبكر، والتأهيل الطبي، والعلاج الطبيعي، وتوفير الأجهزة التعويضية والأطراف الصناعية والسماعات الطبية، مع تطوير مراكز التأهيل في مختلف المحافظات.

أما في مجال العمل، فقد انتقلت الدولة من مجرد النص على نسبة للتعيين إلى متابعة تنفيذها فعليًا، مع التوسع في التدريب والتأهيل المهني، وتشجيع القطاعين العام والخاص على توفير فرص عمل حقيقية، وفتح المجال أمام ريادة الأعمال والعمل الحر، إيمانًا بأن التمكين الاقتصادي هو الضمان الحقيقي للاستقلال والكرامة.

ولم يتوقف الأمر عند حدود الخدمات، بل وصل إلى المشاركة السياسية وصناعة القرار، فأصبح للأشخاص ذوي الإعاقة تمثيل داخل مجلسي النواب والشيوخ، والمجالس واللجان المختلفة، وأصبحوا يشاركون في الحوار الوطني، وفي صياغة السياسات العامة، بعد أن كانوا لعقود طويلة غائبين عن دوائر اتخاذ القرار.

كما شهدت الجمهورية الجديدة طفرة في تطبيق معايير الإتاحة الهندسية، فأصبحت المباني الحكومية الجديدة، والجامعات، والمدارس، والمحاكم، والعديد من المشروعات القومية، تُنشأ وفق معايير تضمن سهولة الوصول والحركة، بما يؤكد أن الإتاحة أصبحت جزءًا من التخطيط وليس إضافة لاحقة.

ولم تغفل الدولة الجانب الرياضي والثقافي والفني، فقد حظي أبطال مصر من الأشخاص ذوي الإعاقة بدعم غير مسبوق، انعكس في الإنجازات الدولية التي رفعت علم مصر في المحافل العالمية، إلى جانب دعم المواهب في مجالات الفن والثقافة والإبداع.

كما أصبحت مبادرات الجمهورية الجديدة، وعلى رأسها “حياة كريمة”، نموذجًا عمليًا لدمج الأشخاص ذوي الإعاقة داخل المجتمع، من خلال تطوير القرى، وتحسين الخدمات، وتهيئة المنشآت، وتوفير فرص التدريب والعمل، ليصبح الدمج واقعًا يوميًا وليس مجرد شعار.

والأهم من كل ذلك، أن الدولة نجحت في تغيير الثقافة المجتمعية نفسها. فلم يعد الشخص ذو الإعاقة يُقدم باعتباره نموذجًا للشفقة، وإنما باعتباره مواطنًا يمتلك حقوقًا وقدرات، ويشارك في البناء والإنتاج والقيادة والنجاح.

إن أعظم إنجاز حققته ثورة 30 يونيو للأشخاص ذوي الإعاقة لم يكن قانونًا أو بطاقةً أو مبادرةً بعينها، وإنما كان تغييرًا جذريًا في فلسفة الدولة المصرية؛ من دولة تقدم المساعدة، إلى دولة تضمن الحق، ومن مجتمع ينظر إلى الإعاقة باعتبارها عبئًا، إلى مجتمع يؤمن بأن الاختلاف جزء من التنوع الإنساني، وأن بناء الجمهورية الجديدة لا يكتمل إلا بمشاركة جميع أبنائها.

ولهذا، فإن الحديث عن مكتسبات الأشخاص ذوي الإعاقة بعد ثورة 30 يونيو ليس حديثًا عن امتيازات مُنحت، وإنما عن حقوق استعادت مكانها الطبيعي، وإرادة سياسية آمنت بأن الإنسان هو أساس الجمهورية الجديدة، وأن كرامة المواطن، أيًا كانت إعاقته، هي أحد أعمدة الدولة المصرية الحديثة.

تحيا مصر… وتحيا ثورة الثلاثين من يونيو… وتحيا الجمهورية الجديدة التي جعلت تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة واقعًا يُبنى كل يوم، لا شعارًا يُرفع في المناسبات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock