
الطلاق الغيابي.. حين يتحول الحق إلى أداة هدم للأسرة
بقلم سماح محروس
ليس كل ما يُمنح من حقوق يُحسن استخدامه، فهناك من يحوّل الرخص القانونية إلى وسائل للضرر، وحين يحدث ذلك داخل الأسرة، تكون النتيجة قاسية على الجميع، والأشد وطأة على الأطفال. من بين هذه الإشكاليات يبرز “الطلاق الغيابي” كواحد من أكثر الملفات حساسية، حين يُستغل بصورة سلبية تفضي إلى سلب حقوق المرأة، وتهدد استقرار الأبناء، وتفتح أبوابًا واسعة للتفكك الاجتماعي.
الطلاق في جوهره حل أخير تلجأ إليه الأسر عندما تستحيل العشرة، وهو حق مكفول للطرفين، لكنه حين يتم دون علم الزوجة، ودون منحها فرصة للدفاع عن حقوقها أو حتى الاستعداد لتبعاته، يتحول من وسيلة لإنهاء خلاف إلى بداية سلسلة من الأزمات. فامرأة تُفاجأ بانفصالها، وأطفال يجدون أنفسهم فجأة بلا سند واضح، ولا استقرار، ولا إطار أسري يحتضنهم.
المشكلة لا تقف عند حدود الانفصال ذاته، بل تمتد إلى ما بعده: نزاعات على النفقة، تعقيدات في إثبات الحقوق، غياب الالتزام بمسؤوليات الأبوة، وفي بعض الحالات يصل الأمر إلى ضياع الأطفال بين إجراءات قانونية طويلة وظروف معيشية صعبة، قد تدفعهم – دون ذنب – إلى مسارات خطرة، منها التسرب من التعليم أو حتى التشرد.
إن استغلال الطلاق الغيابي بهذا الشكل لا يضر المرأة فقط، بل يضرب في عمق استقرار المجتمع. فالأسرة هي اللبنة الأولى، وأي خلل فيها ينعكس على المنظومة بأكملها. وعندما يُترك الطفل دون رعاية متوازنة، أو يُحرم من أحد أبويه بطريقة مفاجئة وغير منظمة، فإننا لا نخسر أسرة فحسب، بل نغامر بمستقبل جيل كامل.
الأمر لا يتعلق بإلغاء الحق، بل بتنظيمه وحمايته من سوء الاستخدام. نحن بحاجة إلى آليات أكثر عدالة تضمن إخطار الزوجة بشكل رسمي وفوري، وتكفل سرعة الفصل في حقوقها وحقوق أبنائها، مع تشديد الرقابة على تنفيذ الالتزامات المالية والتربوية. كما أن التوعية المجتمعية بدور الأب بعد الطلاق، ومسؤوليته المستمرة، ضرورة لا تقل أهمية عن النصوص القانونية.
في النهاية، تبقى الرسالة واضحة: لا ينبغي أن يتحول الخلاف بين الزوجين إلى عقوبة يدفع ثمنها الأبناء. فالأطفال ليسوا طرفًا في النزاع، لكنهم غالبًا أكبر المتضررين منه. حماية الأسرة لا تعني الإبقاء على علاقة فاشلة، بل تعني إدارة الانفصال بعدل وإنسانية، تضمن الكرامة للمرأة، والاستقرار للأطفال، وتحافظ على تماسك المجتمع.
فحين نضع مصلحة الطفل أولًا، نكون قد وضعنا أساسًا حقيقيًا لمجتمع أكثر أمانًا وعدالة.



