
غاده حجاج تكتب : التوتر المزمن.. العدو الصامت الذي يهدد الصحة ويستنزف الجسم
في زحام الحياة وضغوطها اليومية، قد نهتم كثيرًا بما نأكله، ونحاول الابتعاد عن العادات الضارة، ونبحث عن أفضل الأنظمة الغذائية، بينما نغفل عاملًا بالغ الأهمية يمكن أن يؤثر بصورة كبيرة في صحتنا الجسدية والنفسية.. وهو التوتر المزمن.
فالأمراض المزمنة والمناعية لا يمكن اختزال أسبابها في عامل واحد، إذ تتداخل فيها الوراثة ونمط الحياة والتغذية والتدخين والنوم والنشاط البدني وعوامل أخرى عديدة، لكن الضغوط النفسية المستمرة تظل أحد العوامل المهمة التي قد تزيد العبء على الجسم وتؤثر في قدرته على الحفاظ على توازنه.
تخيّل أنك تستعد للنوم في ليلة هادئة، ثم تصلك فجأة رسالة تقول: «أنت مطلوب غدًا للتحقيق».
في ثوانٍ، قد تشعر بتسارع ضربات القلب، وتوتر العضلات، وربما الصداع والقلق، رغم أنك ما زلت جالسًا في مكانك ولا يوجد أمامك خطر مادي مباشر.
ما الذي حدث؟
الجسم تعامل مع الموقف باعتباره تهديدًا، فبدأت منظومة الاستجابة للضغط النفسي في العمل، وارتفع إفراز هرمونات مثل الأدرينالين والكورتيزول لتجهيز الجسم للتعامل مع الخطر.
وهذه الآلية في حد ذاتها طبيعية ومهمة لبقاء الإنسان.
المشكلة تبدأ عندما تتحول حالة الطوارئ من موقف عابر إلى أسلوب حياة.
ضغوط العمل، والخوف من المستقبل، والمشكلات المالية، والمقارنة المستمرة بالآخرين، والأخبار المزعجة، والعلاقات المستنزفة، والسهر لساعات طويلة أمام الهاتف.. كلها عوامل قد تجعل الإنسان يعيش فترات طويلة في حالة من التوتر المستمر.
ومع استمرار هذه الحالة قد يتأثر النوم والتركيز والمزاج والجهاز الهضمي، كما يرتبط التوتر المزمن باضطرابات في ضغط الدم وتنظيم سكر الدم والشهية والمناعة وغيرها من وظائف الجسم.
وهنا تصبح الرسالة المهمة: علاج المرض لا يعني إهمال السبب النفسي، كما أن علاج التوتر لا يعني الاستغناء عن الطبيب أو الدواء.
فالصحة الحقيقية تقوم على التعامل مع الإنسان باعتباره وحدة متكاملة؛ جسدًا وعقلًا ونفسًا.
كيف نساعد أنفسنا على كسر دائرة التوتر؟
أولًا، التقرب إلى الله والسكينة الروحية.
قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
فالذكر والصلاة والدعاء والتوكل تمنح الإنسان مساحة من السكينة والطمأنينة، وتساعده على إعادة ترتيب مخاوفه وإدراك أن كثيرًا مما يستهلك أعصابه اليوم لن يستحق كل هذا القلق غدًا.
ثانيًا، التنفس الهادئ والعميق.
بضع دقائق من التنفس البطيء والمنظم قد تساعد الجسم على الانتقال من حالة الاستنفار إلى حالة أكثر هدوءًا واسترخاءً.
ثالثًا، الحركة اليومية.
ليس المطلوب أن تصبح رياضيًا محترفًا. المشي لمدة قصيرة يوميًا، وخصوصًا في مكان مفتوح أو وسط الطبيعة، يمكن أن يساعد في تحسين المزاج وتقليل الشعور بالضغط النفسي وتحسين اللياقة والصحة العامة.
رابعًا، احترم نومك.
النوم ليس رفاهية، وإنما إحدى أهم فترات الاستشفاء التي يحتاجها الجسم والجهاز العصبي.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾.
السهر المزمن واضطراب مواعيد النوم قد يزيدان الإرهاق والتوتر ويجعلان مواجهة أبسط مشكلات الحياة أكثر صعوبة.
خامسًا، اقترب ممن يمنحونك الراحة.
اجلس مع أصدقائك، تحدث مع من تحب، احتضن أبناءك، اضحك، وخصص وقتًا حقيقيًا للعائلة والهوايات.
وفي المقابل، ضع حدودًا واضحة مع الأشخاص والعلاقات التي تستنزفك باستمرار.
سادسًا، قلّل الضوضاء الرقمية.
ليس مطلوبًا أن تعرف كل خبر فور حدوثه، ولا أن تفتح هاتفك مع كل إشعار.
أغلق بعض التنبيهات، قلل تصفح الأخبار والمواقع قبل النوم، واترك لنفسك وقتًا يوميًا لا تكون فيه متصلًا بالعالم كله.
أما الأعشاب والمكملات مثل الأشواجندا والمغنيسيوم والبابونج واللافندر والشاي الأخضر، فقد تكون لبعضها فوائد محتملة في الاسترخاء أو النوم لدى بعض الأشخاص، لكنها ليست مناسبة للجميع، ولا ينبغي تناول المكملات بصورة عشوائية، خصوصًا مع وجود أمراض مزمنة أو أدوية أخرى، والأفضل استشارة الطبيب أو الصيدلي.
وفي النهاية..
لا يمكن القول إن التوتر هو بداية كل الأمراض، ولا أن التخلص منه سيعالج وحده معظم المشكلات الصحية، لكن المؤكد أن إهمال الضغط النفسي المستمر قد يجعل حياتنا وصحتنا أصعب بكثير.
اهتم بطعامك، ابتعد عن التدخين، تحرك، تابع علاجك، ونظّم نومك.. لكن في الوقت نفسه، لا تنسَ أن تمنح عقلك ونفسك حقهما في الهدوء.
ليس كل شيء يستحق أن تدفع ثمنه من صحتك.
خفف الأخبار، أغلق الهاتف قليلًا، اقترب من الله، اضحك مع من تحب، تحرك، ونم جيدًا.
فأحيانًا يكون أكثر ما يحتاجه الإنسان وسط كل هذا الصخب هو قليل من السكينة



