
الشفرة 5: الموظف الذي يسرقك وهو يصلي معك الفجر
المشهد:
شركة استيراد قطع غيار سيارات في القاهرة، في منطقة التوفيقية. صاحبها رجل محترم عمره 58 سنة، بنى الشركة من الصفر منذ 25 سنة. عنده أمين مخزن يعمل معه منذ 12 سنة. الرجل يصلي معه الفجر كل يوم في المسجد، ويأتمنه على مفتاح المخزن والخزنة، ويعطيه عهدة 200 ألف جنيه، ويقول عنه “ده ابني مش موظف”.
في ديسمبر الماضي، قررنا عمل جرد سنوي مفاجئ. صاحب الشركة كان مطمئنا ويقول “مخزني مظبوط بالقرش”. بدأنا الجرد. بعد 3 أيام، اكتشفنا عجز 900 ألف جنيه. 900 ألف جنيه بضاعة ناقصة. لا فواتير، لا بيع، اختفت.
راجعنا الكاميرات القديمة. الصدمة أن أمين المخزن كان يخرج كل يوم الساعة 2 ظهرا، وقت صلاة الظهر، كرتونة صغيرة يضعها في شنطة سيارته القديمة. كرتونة في اليوم × 26 يوم عمل × 12 شهر × 12 سنة. الحساب كان مرعبا. 12 سنة ثقة عمياء كانت تكلف صاحب الشركة 75 ألف جنيه شهريا سرقة صامتة، وهو يصلي معه الفجر ويدعو له.
عندما واجهناه، بكى وقال “أنا كنت باخد على قد احتياجي، وعيالي في مدارس خاصة”. كان يسرق وهو يظن أنه لا يسرق.
الخدعة – الثقة العمياء قاتلة:
في شركاتنا، نحن نثق في من نحب، ونحاسب ونراقب من لا نحب. وهذا مقلوب تماما.
أكثر من يسرقك هو ليس الحرامي من الشارع، أكثر من يسرقك هو من تثق فيه ثقة عمياء لأنه “ابننا وعشرة عمر وأمين”. اللص المحترف لا يكسر الباب، اللص المحترف هو من معه مفتاح الباب.
الثقة بدون نظام تخلق لصا حتى من الشريف. الإنسان ضعيف. عندما تترك 2 مليون جنيه بضاعة مع موظف واحد فقط، وبدون جرد مفاجئ، وبدون كاميرات، وبدون نظام، أنت من تصنع منه لصا. أنت من تقول له “اسرقني، الفرصة أمامك”.
في التحكيم الدولي، نسميها “متلازمة المفتاح الواحد”. عندما يوجد مفتاح واحد فقط للخزنة أو المخزن أو السيستم، فالشركة كلها في خطر، حتى لو كان حامل المفتاح ملاك.
مرآة البيت:
تترك ابنك الصغير عمره 8 سنوات يحرس علبة بسكويت فاخرة، وتقول له “يا حبيبي خلي بالك من العلبة، مستحيل تاكل منها، أنا واثق فيك”. وتخرج. وتعود بعد ساعة، تجد العلبة فارغة.
هل ابنك لص؟ لا. أنت من وضعت طفلا صغيرا أمام مغريات أكبر من إرادته، وبدون رقابة.
هذا ما تفعله مع أمين المخزن والكاشير. تتركهم أمام ملايين، وتقول “أنا واثق فيه”، ثم تتفاجأ أن العلبة فارغة.
فك الشفرة – ماذا تفعل غدا الصباح؟
1. قانون المفتاحين الإجباري: من اليوم، ممنوع مفتاح واحد أبدا في شركتك. الخزنة لها مفتاحان، مفتاح معك ومفتاح مع المحاسب، ولا تفتح إلا بوجود الاثنين. المخزن له مفتاحان، أمين مخزن وعامل آخر. السيستم له باسوردان، لا يستطيع واحد إدخال فاتورة وإخراجها في نفس الوقت. النظام يحمي الشريف قبل أن يكشف اللص. 2. الجرد المفاجئ الأسبوعي: كل أسبوعين، بدون إعلان، وبدون سابق إنذار، اعمل جرد مفاجئ لصنف واحد فقط، صنف غالي ومطلوب. لو وجدت عجز 1% في صنف واحد، فاعلم أن هناك سرقة 10% في باقي الأصناف أنت لا تراها. الجرد المفاجئ هو كاميرا مراقبة نفسية. الموظف الذي يعرف أن هناك جرد مفاجئ في أي لحظة، لن يسرق حتى لو أتيحت له الفرصة. 3. تدوير المناصب الإجباري: كل 6 شهور، غير مكان أمين المخزن والكاشير ومسؤول المشتريات. انقل أمين المخزن إلى المبيعات، والكاشير إلى المخزن. من يرفض التدوير بشدة ويقول “أنا لا أعرف إلا هذا المكان” أو “المخزن هينهار من بعدي”، راجع وراءه فورا. الذي يخاف من التدوير، هو من يخفي شيئا.
جرس الإنذار:
إذا كان عندك موظف واحد فقط في شركتك يعرف كل أسرار البضاعة والفلوس والعملاء والموردين، ولا يوجد بديل له، ولا يستطيع أحد أن يعمل مكانه حتى لو مرض يوما واحدا، فأنت لست صاحب شركة، أنت رهينة عند هذا الموظف، وهو يبتزك بابتسامة كل يوم وأنت لا تشعر.
ارسل كلمة “شفرة” للتواصل
نلتقي في العدد القادم.
د. صلاح الديب
خبير إدارة الأزمات والتحكيم الدولي في مصر والوطن العربي
مؤسس مكتب خطوات الإنقاذ
الإيميل: Dr.salah.aldep@gmail.com



