أقلام حره

صناعة الإنسان… هل نُربي عقولاً أم نُورّث أفكاراً؟

 بقلم: أحلام الصنهاجي – لايف كوتش معتمدة –

حين نتحدث عن مستقبل مجتمعاتنا العربية والإسلامية، كثيراً ما نتحدث عن التعليم، الاقتصاد، التكنولوجيا، والنهضة… لكنني أرى أن هناك سؤالاً أعمق من كل ذلك: أي إنسان نريد أن نصنع؟

لأن بناء المجتمع لا يبدأ من الحجر، بل من الإنسان. ولا يمكن أن نبني مستقبلاً مختلفاً بعقول تربت فقط على التلقي، والخوف من السؤال، وتكرار ما قيل لها دون أن تفكر فيه.

أنا أؤمن أن الطفل لا يحتاج فقط إلى أن نعلمه ماذا يفكر، بل كيف يفكر.

أن نسمح له بالسؤال، وأن نحاوره بدل أن نسكته، وأن نعلمه أن الاختلاف ليس خطراً، وأن الاعتراف بعدم المعرفة ليس ضعفاً، وأن البحث عن الحقيقة يحتاج إلى عقل مفتوح وضمير حي.

لكن صناعة الفكر لا تعني أن نقطع أبناءنا عن هويتهم أو قيمهم.

على العكس…

كلما كانت جذور الإنسان أعمق، استطاع أن ينفتح على العالم بثقة أكبر.

نحن بحاجة إلى إنسان عربي مسلم يعرف من أين أتى، ويعتز بقيمه، لكنه لا يخاف من الآخر، ولا يعتبر كل اختلاف تهديداً لهويته.

إنسان يستطيع أن يستمع، ويناقش، وينتقد، ويعيد التفكير… دون أن يفقد احترامه لنفسه أو للآخر.

وهنا يأتي دور الأسرة.

فالطفل يتعلم الفكر من طريقة حديثنا معه، ومن طريقة تعاملنا مع اختلافه، ومن الأسئلة التي نسمح له بطرحها، ومن المواقف التي يرانا نعيشها أمامه.

إذا أردناه أن يكون صادقاً، فليرانا صادقين.
إذا أردناه أن يحترم الآخرين، فليرَ الاحترام في بيوتنا.
وإذا أردناه أن يعترف بخطئه، فعلينا نحن أيضاً أن نمتلك شجاعة الاعتراف بأخطائنا.

نحن لا نربي أبناءنا بما نقوله لهم فقط، بل بما نمارسه أمامهم كل يوم.

ثم تأتي المدرسة لتكمل هذا البناء، لا لتجعل الطفل مستودعاً للمعلومات، وإنما لتساعده على تحويل المعرفة إلى وعي.

ففي زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة للجميع، لم يعد التحدي أن نعرف أكثر… بل أن نعرف ماذا نصدق.

وهنا تكمن أهمية التفكير النقدي؛ ألا يصدق أبناؤنا كل ما يرونه، ولا يكرروا كل ما يسمعونه، ولا يجعلوا من مواقع التواصل مصدراً وحيداً لفهم الحياة.

لكنني أعتقد أن هناك شيئاً أخطر من نقص المعرفة: أن نصنع إنساناً متعلماً بلا وعي، وذكياً بلا قيم.

فالعلم الذي لا يصاحبه ضمير قد يتحول إلى أداة، والذكاء الذي لا تحكمه الأخلاق قد لا يصنع مجتمعاً أفضل.

لذلك، ربما حان الوقت لأن نعيد تعريف النجاح.

ليس النجاح أن يحصل أبناؤنا على أعلى النقاط والشهادات فقط، بل أن يصبحوا أشخاصاً يعرفون قيمتهم، يتحملون مسؤولية قراراتهم، يحترمون اختلاف الآخرين، ويملكون القدرة على التفكير والاختيار.

صناعة الإنسان ليست مسؤولية الأسرة وحدها، ولا المدرسة وحدها، ولا المؤسسات وحدها. إنها مسؤولية مجتمع كامل.

وفي رأيي، المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط على ما سيتعلمه أبناؤنا، بل على الطريقة التي سيفكرون بها.

لأننا عندما نربي عقلاً واعياً، ونزرع فيه القيم، ونمنحه حرية السؤال ومسؤولية الاختيار… فنحن لا نصنع طفلاً أفضل فقط. نحن نصنع إنساناً قادراً على صناعة مجتمع أفضل.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock