
«نظرية التكيّف المُجهَد».. شيماء مجيد حميد بهية تقرأ تحولات النفس والمجتمع العراقي من 2003 إلى 2026
في محاولة فكرية ونفسية لقراءة التحولات العميقة التي مر بها المجتمع العراقي خلال أكثر من عقدين، تقدم الدكتورة شيماء مجيد حميد بهية في كتابها الجديد «نظرية التكيّف المُجهَد: رؤيا حديثة للعمليات النفسية في المجتمع العراقي منذ 2003–2026م» رؤية تتجاوز الوصف التقليدي للأزمات، لتبحث فيما تركته سنوات الضغط وعدم الاستقرار داخل الإنسان وفي بنية المجتمع نفسه.
الكتاب، الصادر في طبعته الأولى عام 2026، لا ينطلق من سؤال: «ما الخطأ في المجتمع العراقي؟»، بقدر ما يحاول الإجابة عن سؤال أكثر عمقًا وإنصافًا: كيف يتغير الإنسان عندما يصبح الضغط النفسي والاجتماعي حالة مستمرة وليست حدثًا عابرًا؟
ومن هنا تقدم المؤلفة مفهوم «التكيّف المُجهَد» بوصفه إطارًا نفسيًا واجتماعيًا لفهم أنماط السلوك التي تتكون داخل المجتمعات التي تعيش لفترات طويلة في بيئات مضطربة. فالإنسان، بحسب الرؤية التي يقدمها الكتاب، يطور وسائل تساعده على التكيف والنجاة، وقد تكون هذه الوسائل ضرورية في لحظتها، لكنها إذا استمرت سنوات طويلة يمكن أن تتحول إلى عبء نفسي واجتماعي ينعكس على الثقة والعلاقات وطريقة التفكير وصناعة القرار.
العراق بعيون علم النفس
تكمن أهمية الكتاب في أنه يحاول قراءة العراق من داخله لا من خارجه؛ فلا يكتفي بتفسير الأحداث من منظور سياسي أو اقتصادي، وإنما يتوجه إلى الإنسان الذي عاش هذه الأحداث، وكيف أثرت فيه وفي علاقته بنفسه والآخرين والمجتمع والدولة.
وتناقش الدكتورة شيماء مجيد حميد بهية عددًا من الظواهر التي أصبحت، وفقًا لطرحها، جزءًا من واقع الحياة اليومية بعد عام 2003، ومنها اليقظة المفرطة، واقتصاد الخوف، والثقة الدائرية، وانتشار الإشاعة، ودور الهوية في تنظيم القلق، وأخلاق النجاة، والأمل المتقطع.
وهي مفاهيم لا يقدمها الكتاب باعتبارها أحكامًا أخلاقية على الإنسان العراقي، وإنما باعتبارها استجابات يمكن فهمها في ضوء سنوات متراكمة من الأزمات والتغيرات وعدم اليقين.
المجتمع ليس «مريضًا».. بل تعلّم كيف ينجو
ولعل إحدى أهم الأفكار التي يحملها الكتاب رفض النظر إلى المجتمع العراقي باعتباره مجتمعًا «مريضًا» أو عاجزًا عن التقدم.
فالرؤية التي تقدمها المؤلفة أكثر تركيبًا؛ إذ ترى أن المجتمع تعلم طرقًا متعددة للبقاء والصمود تحت الضغط، وأن كثيرًا من السلوكيات التي تبدو سلبية عند النظر إليها بمعزل عن سياقها قد تكون في الأصل وسائل للتكيف مع بيئة مضطربة.
لكن المشكلة تبدأ حين تستمر أدوات النجاة حتى بعد تغير الظروف، فتتحول من وسائل حماية مؤقتة إلى أنماط راسخة قد تعرقل الاستقرار والثقة والتعافي.
ومن هنا يطرح الكتاب سؤالًا محوريًا: إذا كان العراقيون قد تعلموا كيف ينجون، فكيف يمكن تحويل مهارات النجاة إلى قدرة على البناء والازدهار؟
من التشخيص إلى العلاج المجتمعي
لا يقف «نظرية التكيّف المُجهَد» عند حدود التحليل النظري، بل يحاول الانتقال من فهم الظاهرة إلى قياسها، ومن القياس إلى التدخل.
ويطرح الكتاب أدوات ومقترحات عملية يمكن توظيفها في المدرسة والإعلام والأحياء والخدمات والسياسات العامة، مع التركيز على بناء الثقة وتعزيز المرونة النفسية والاجتماعية.
وبذلك لا يصبح علم النفس في الكتاب مجالًا منعزلًا داخل العيادات والجامعات، وإنما أداة يمكن أن يستعين بها صانع القرار، والباحث، والمعلم، والإعلامي، والمؤسسات المجتمعية لفهم الدوافع الكامنة وراء السلوك، وصياغة تدخلات وسياسات أقرب إلى طبيعة المجتمع واحتياجات أفراده.
محاولة لبناء لغة عراقية لفهم الإنسان
ومن الجوانب اللافتة في العمل سعيه إلى تقديم ما يمكن وصفه بـ**«لغة عراقية لفهم النفس والمجتمع»**؛ لغة تستند إلى علم النفس الاجتماعي لكنها تنطلق في الوقت نفسه من خصوصية التجربة العراقية.
فالعراق الذي عاش تحولات سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية متلاحقة منذ 2003 لا يمكن، وفق هذه الرؤية، قراءة إنسانه بمعزل عن تلك الخبرات المتراكمة.
ولهذا فإن الكتاب لا يناقش الماضي باعتباره مجرد سجل للأحداث، وإنما يبحث عن الطريقة التي استقرت بها تلك الأحداث داخل الذاكرة النفسية والاجتماعية، وكيف أثرت في الثقة والأمل والإحساس بالأمان والعلاقة بالمستقبل.
من «كيف نجونا؟» إلى «كيف نزدهر؟»
القيمة الأساسية التي يسعى الكتاب إلى ترسيخها تكمن في الانتقال من ثقافة النجاة إلى ثقافة التعافي والبناء.
فبعد أكثر من عشرين عامًا من المتغيرات المتلاحقة، ترى المؤلفة أن السؤال لم يعد فقط: كيف استطاع المجتمع العراقي أن يصمد؟ وإنما أصبح من الضروري طرح السؤال التالي: كيف يمكن لهذا الصمود أن يتحول إلى استقرار وتنمية وازدهار مستدام؟
إن «نظرية التكيّف المُجهَد» للدكتورة شيماء مجيد حميد بهية ليست مجرد محاولة لتفسير السلوك الجمعي، بل دعوة إلى النظر إلى الإنسان العراقي بقدر أكبر من الفهم والعمق، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة والتفسيرات السطحية.
إنه كتاب عن العراق، لكنه في جوهره يتناول سؤالًا إنسانيًا أوسع: ماذا يفعل الإنسان عندما يطول به التعب؟ وكيف يتعلم النجاة؟ والأهم من ذلك كله، كيف يمكن أن يستعيد ثقته وأمله وقدرته على بناء الغد؟
وبهذا ينتقل الكتاب بقارئه من السؤال الذي فرضته سنوات الأزمات: «كيف نجونا؟» إلى سؤال أكثر طموحًا واستحقاقًا للمستقبل: «كيف نبدأ بالازدهار؟»



