
” وجيه نزيه ” يكتب : ملحمة الشوام .. رواد النهضة الأوائل المؤسسين للصحافة المصرية .
إرث الكلمة و الصورة في تشكيل دفاعات الرآى الصحفي و توجيهات الخطاب الإعلامى و صناعات القرار السياسي المـصــري .
يعد تاريخ الصحافة المـصــرية الحديثة ملحمة فكرية و تنويرية تداخلت فيها جهود نخبة من المهاجرين العرب الذين وجدوا في مـصــر بيئة خصبة للمبادرة و الإبداع ،و في قلب هذا التحول كان لدي الشوام الذين حملوا معهم طموحاتهم من دمشق و بيروت و سائر مدن بلاد الشام ليصبحوا المهندسين الأوائل لصناعة الإعلام المـصــري مُستندين في ذلك إلى وعي سياسي عميق و حس أدبي رفيع ،و علي هذا فلم تكن رحلتهم مجرد ترحال أو إنتقال بل كانت محاولة لإرساء دعائم خطاب صحفي حر و مؤثر يواكب مُفردات الأحداث و تطلعات العصر أنذاك ،و هو ما يتقاطع مع سعيي المتواضع اليوم حيث انحدر من أصول عائلة الحموي السورية التي تنتسب إلي مدينة حَماة لأجد في ذاكرة الأجداد جزءاً أصيلاً من سياقي المهني مُنغمساً في إشعاع شمس بلادي التي أنتميت إليها روحاً و مولداً و ايضاً مساراً مهنياً و إتساقاً عقائدياً .
و نستذكر معاً في جولة تتضح في صدارة المشهد من قِبل المؤسسين الشوام الأبرز مثل ( سليم تقلا ) و شقيقه ( بشارة تقلا ) اللذان نقلا الصحافة المـصــرية إلى مرحلة الإحتراف بإنشائهما لجريدة الأهرام عام ١٨٧٦م من مدينة الإسكندرية ،و لم تكن الأهرام مجرد صحيفة بل كانت مشروعاً فكرياً شاملاً .. حيث تميز الأخوان تقلا بقدرة فائقة على إستشراف مُتطلبات القارئ المـصـري و معرفة شاغله و ملماً لكافة الإحتياجات السياسية الطارئة و الهامة للبلاد مما جعلت الصحيفة مَرجعاً موثوقاً للأخبار و التحليلات ،و إلى جانبهم يُعد ( سليم الحموي ) أحد الرواد الذين وضعوا اللبنات الأولى للصحافة المـصــرية الحديثة حيث نقل خبراته من الشام إلى القاهرة ليصبح رمزاً لحركة التنوير الإعلامي للبلاد خلال القرن التاسع عشر .. ففي عام ١٨٧٨م أسس ( جريدة الإسكندرية ) التي عُرفت بنهجها السياسي الجريء ليؤكد بذلك دوره كصحفي و مفكر اتسمت مسيرته بالإستقلالية و القدرة على مواجهة التحديات السياسية ،و لقد جعلت هذه المطبوعات منبراً للرأي العام و علامة فارقة في تاريخ المهنة تاركًا إرثاً مُلهماً توارثته الأجيال في دروب الصحافة العربية .
ولا ننسي ( جورجي زيدان ) و دوره الإستثنائي لا يقل أهمية فقد كان مشروع ( الهلال ) الذي أطلقه عام ١٨٩٢م بمثابة جسر معرفي ربط القارئ المـصــري بتراثه المتين و عبق تاريخه الزاخر مجداً .. و قد برع زيدان في إستخدام الصحافة كوسيلة للبحث التاريخي و الأدبي مما عزز من مكانة مـصــر كمركز ثقافي للناطقين بالضاد ،و لم تقتصر قائمة الرواد على هؤلاء فحسب بل شهدت تلك الحقبة حضوراً طاغياً لأسماء مثل ( يعقوب صروف ) و ( فارس نمر ) اللذين أسسا ( مجلة المُقتطف ) عام ١٨٧٦م أيضاً ،و التي لعبت دوراً حيوياً في نشر العلوم الحديثة و التعريف بالمُنجزات الفكرية العالمية مما خلق قاعدة عقلانية و تنويرية بين النُخب المـصــرية ،و كما يبرز اسم ( خليل خوري ) الذي كان من أوائل من أدركوا أهمية الصحافة كأداة نضالية ضد الإستبداد مُمهداً الطريق لجيل من الكُتاب الذين آمنوا بأن الكلمة المكتوبة هي أقوى سلاح لتحقيق النهضة .. فإن هؤلاء الرواد المؤسسين لم يكتفوا بإنشاء المؤسسات الصحفية فحسب بل أسسوا لقواعد مهنية صارمة و رفعوا من سقف الخطاب النقدي و إعلاءاً لأمانة الكلمة و نزاهة العرض مما أثرى الحياة السياسية و الإجتماعية زخماً كبيراً في مـصــر .
و تطورت هذه الرحلة التأسيسية لتتجاوز الكلمة المقروءة إلى لغة الصورة المطلوبة .. حيث لعب المُبدعون الفلسطينيون دوراً مَفصلياً في إدخال تقنيات التصوير الصحفي آنذاك ،و يبرز هنا المصور الفلسطيني ( خليل رعد ) الذي لم يكن مجرد تقني حينها بل كان فناناً و مؤرخاً بكاميرته .. فلقد أستطاع من على شاكلته من الرواد الفلسطينيين أن ينقلوا الصحافة من حالتها النصية التقليدية إلى مرحلة التوثيق البصري و المرئي الحي مما أضاف بُعداً إنسانياً و توثيقياً لتداول الأخبار ،و جعل من الصورة جزءاً لا يتجزأ من الرواية الصحفية .
و ختاماً و علي مُجمل هذا فإن الإرث البصري و الفكري الذي خلفه الشوام يمثل حجر الزاوية الذي قامت عليه الصحافة المـصــرية منذ نشأتها ،و قد جعلوا وطنهم مـصــر قبلة مقصدهم و واجهة عنوانهم و وفاء مُستقرهم حتي مماتهم و تخليداً لذكراهم .. فإن سردية تاريخ الصحافة في مـصـــر بمثابة قبلة للمبدعين الوافدين التي تُعزز من قيم الإنتماء و الوفاء لأرضها و إحتضانها لجميع المواهب و كافة القامات و صهرتها في بوتقتها الوطنية مما يؤكد على أن مـصــر كانت و مازالت دائماً مظلة للحضارة و أن التنوع هو سر قوتها و تطور بقاءها .



