أقلام حره

تصريحات التعليم بين غياب الواقعية ومخاوف أولياء الأمور

 

بقلم: سماح محروس

أثارت التصريحات الأخيرة بشأن قدرة أبناء الطبقة المتوسطة على الالتحاق بالجامعات الأهلية والخاصة جدلا واسعا بين أولياء الأمور، لما رأى فيه كثيرون ابتعادا عن الواقع الاقتصادي الذي تعيشه الأسرة المصرية، في ظل الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة والتعليم.

ومن منظوري كولية أمر قبل أن أكون مواطنة، فإن الحديث عن قدرة الأسرة المتوسطة على إنفاق ما يزيد على 170 ألف جنيه سنويا لتعليم طالب واحد يحتاج إلى مراجعة دقيقة؛ إذ لا يمكن النظر إلى المصروفات الجامعية بمعزل عن بقية الأعباء التي تتحملها الأسرة، مثل الغذاء والسكن والعلاج والمواصلات والكهرباء والغاز والدروس الخصوصية ومصروفات الأبناء الآخرين في مراحل التعليم المختلفة.

لقد أصبح أقصى طموح عدد كبير من الأسر أن تتمكن من تدبير احتياجاتها الأساسية والوفاء بمصروفات الجامعات الحكومية، فكيف يمكن افتراض قدرتها على تحمل تكاليف الجامعات الأهلية أو الخاصة؟ وماذا تفعل الأسرة التي لديها ثلاثة أو أربعة أبناء في مراحل تعليمية مختلفة؟

إن أي تصريح يتعلق بمستقبل التعليم يجب أن ينطلق من دراسة واقعية لمستويات الدخول الفعلية، لا من تقديرات نظرية لا تعكس حجم الأعباء اليومية. فمصطلح «الطبقة المتوسطة» لم يعد واضح الحدود في ظل التضخم وتراجع القوة الشرائية، كما أن كثيرا ممن كانوا يُصنفون سابقا ضمن هذه الطبقة باتوا يكافحون لتوفير أبسط متطلبات الحياة.

أين حق المتفوقين في التعليم المجاني؟

يزداد قلق أولياء الأمور عندما تتزامن هذه التصريحات مع شكاوى وشكوك تتعلق بدقة نتائج امتحانات الثانوية العامة وآليات التظلم والمراجعة، ولا سيما مع استمرار الاعتماد على نظام «البابل شيت». ومن الضروري التأكيد أن الادعاءات المتعلقة بتبديل النتائج أو التلاعب بها لا يجوز تقريرها كحقائق من دون أدلة وتحقيقات رسمية، لكنها في الوقت نفسه مخاوف تستحق الاستماع إليها والرد عليها بشفافية كاملة.

ومن هنا نطالب وزارة التربية والتعليم ومجلس الوزراء بتوفير ضمانات واضحة تكفل نزاهة التصحيح ودقة رصد الدرجات، وإتاحة آلية عادلة وفعالة للتظلم، مع تمكين الطالب وولي أمره من الاطلاع على تفاصيل الإجابات والتصحيح؛ لأن الشفافية وحدها قادرة على تبديد الشكوك واستعادة الثقة.

إن غياب الإجابات المقنعة يفتح الباب أمام الاعتقاد بأن التوسع في الجامعات الأهلية والخاصة قد يأتي على حساب فرص المتفوقين في الجامعات الحكومية. وحتى لا تتحول هذه المخاوف إلى أزمة ثقة، يجب أن تعلن الجهات المعنية بوضوح سياستها تجاه مجانية التعليم، والطاقة الاستيعابية للجامعات الحكومية، وضمان تكافؤ الفرص بين الطلاب بصرف النظر عن قدراتهم المالية.

التعليم حق وليس سلعة

كفل الدستور الحق في التعليم، ولا ينبغي أن يصبح مستقبل الطالب مرهونا بقدرة أسرته على دفع المزيد. فالتفوق العلمي يجب أن يظل الطريق الطبيعي إلى الجامعة، لا الوضع المالي للأسرة.

ولا يعني الاعتراض على بعض السياسات أو التصريحات رفض تطوير التعليم أو معارضة إنشاء الجامعات الأهلية والخاصة؛ فالتنوع في المؤسسات التعليمية قد يكون مفيدا، شريطة ألا يكون بديلا عن تطوير الجامعات الحكومية، وألا يؤدي إلى تراجع مجانية التعليم أو تقليص فرص غير القادرين والمتفوقين.

لقد قدم التعليم المصري المجاني علماء وروادا عظاما، من بينهم الدكتور أحمد زويل والدكتور مجدي يعقوب وغيرهما ممن بدأوا مسيرتهم من مؤسسات التعليم الوطنية، ثم بلغوا أعلى درجات العلم والتميز. ولن تستطيع مصر صناعة أجيال جديدة من العلماء إذا أصبح الوصول إلى التعليم الجيد امتيازا لمن يملك المال فقط.

المطلوب سياسات واقعية وحوار صادق

إن الإصلاح الحقيقي لمنظومة التعليم يتطلب:

  • دعم المتفوقين وتوفير منح حقيقية لهم.
  • حماية مجانية التعليم وتطوير الجامعات الحكومية.
  • وضع مصروفات تتناسب مع الدخول الفعلية للأسر.
  • تقديم برامج دعم وتمويل عادلة لمحدودي ومتوسطي الدخل.
  • ضمان شفافية الامتحانات والتصحيح والتظلمات.
  • إجراء حوار مجتمعي جاد قبل إصدار تصريحات تمس مستقبل ملايين الأسر.

أقولها بكل صراحة، وعلى الرغم من دعمي الكامل للدولة المصرية: إن النقد البناء واجب وطني، والكلمة أمانة، والدول القوية لا تخشى الرأي العام، بل تصغي إليه وتستفيد منه. أما التصريحات غير الواقعية فقد تزيد الاحتقان وتعمق مخاوف الأسر على مستقبل أبنائها.

وفي النهاية، فإن الخلاف لا يفسد للود قضية. ودعم الدولة لا يعني الصمت عن معاناة المواطن، كما أن الوطنية الحقيقية تقتضي الدفاع عن العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وحق كل طالب متفوق في تعليم جيد، بصرف النظر عن دخل أسرته.

فالتعليم ليس سلعة تباع لمن يدفع أكثر، وإنما حق أصيل وأساس لبناء الوطن. والله المولى والمستعان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock