حين يسبق القدرُ الخطوةَ الأخيرة.. وجع يتجدد ورحيل في زهرة العمر
بقلم الكاتبة الصحفية دكتورة/ شيماء الشافعي
في زحمة الحياة وتفاصيلها الممتدة يرسم الإنسان خططه ويستعد لجني ثمار تعبه وشقائه غير مدرك أن لله في خلقه شؤوناً وأن الأجل أقرب إليه من حبل الوريد.
قصص كثيرة تمر بنا في هذه الدنيا لكن قصة رحيل الطبيب الشاب الدكتور أحمد محمد أبو القمصان تظل مأساة تهتز لها القلوب وتخشع لها الأرواح، لأنها تعيد تذكيرنا بذات الحقيقة القاسية أن الموت لا يستأذن أحداً وأن زهرة العمر قد تُقطف في أوج تفتحها.
كان الصباح يشير إلى بداية فصل جديد ومشرق يفصل الطبيب الشاب عن تحقيق حلمه سنوات من السهر والاجتهاد ليصير طبيباً للقلب بمستشفى كفر الشيخ العام.
شاب ينبض بالطموح كان يستعد لارتداء معطفه الأبيض للمرة الأولى رسمياً ليطبب قلوب المرضى ويدشن رحلته المهنية والإنسانية.
لكن القدر لم يمهله وقبل خفقة الصباح الأولى تعرض لجلطة حادة ومفاجئة في الشريان الرئوي.
وفي مفارقة حزينة تبكي العيون بدلاً من أن يدخل المستشفى صباحاً كـطبيب ينقذ أرواح الناس دخلها فجراً كـ مريض يصارع الموت!
حاول الأطباء وزملاؤه جاهدون إسعافه لكن أمر الله كان مفعولاً ولفظ أنفاسه الأخيرة في المكان نفسه الذي كان يتهيأ ليكون معالجاً فيه.
وأنا أتابع تفاصيل هذه القصة المؤلمة لم أتمالك دموعي ولا ذلك الشجن القديم الذي استيقظ فجأة في صدري..
لقد أعادتني هذه الفاجعة رغماً عني إلى وجع ورحيل أسود لا يزول أثره ذَكَّرَتني بأخي الراحل الدكتور احمد سعيد الشافعى رحمه الله الذي كان بدوره أستاذاً ودكتوراً جامعياً يُشار إليه بالبنان خطفته جلطة مفاجئة في زهرة شبابه وفي أوج عطائه ليرحل في سن صغيرة ويترك في قلوبنا فراغاً لا يملؤه أحد.
إن مرارة الفقد واحدة ورؤية شباب بعمر الورد يرحلون في لحظة خاطفة هي تذكرة قاسية لنا جميعاً بمدى ضآلة هذه الدنيا وهشاشتها.
موقفٌ يجعلنا ندرك كم هي زائفة تلك الصراعات التي نستهلك فيها أعمارنا بينما الأجل يترصدنا في أي لحظة.
يبقى الرحيل المفاجئ في سن صغيرة غصةً لا تطيب وجرحاً يتجدد كلما رأينا أمل شبابٍ يُطفأ قبل أوانه.
لكننا لا نملك أمام قضاء الله وقدره إلا الصبر والاحتساب داعين الله أن يتقبلهم في واسع جناته وأن يربط على قلوب كل من ذاق مرارة الفقد.
رحم الله الطبيب الشاب ورحم الله أخي الراحل وكل روحٍ طيبة غادرتنا وهي في أوج طموحها وعطائها.



