
ريهام جعفر تكتب : التعفن الدماغي: حين تتحول الخوارزميات إلى لصوص للعقل
لم يعد الخطر الحقيقي في العصر الرقمي يتمثل في اختراق الحسابات أو سرقة البيانات، بل في اختراق الإنسان نفسه. فهناك نوع جديد من القرصنة لا يستهدف كلمات المرور، وإنما يستهدف الوعي، ولا يسرق الأموال، وإنما يسرق الانتباه، والقدرة على التفكير، والإرادة الحرة. هذه الظاهرة التي باتت تعرف عالمياً باسم Brain Rot أو “التعفن الدماغي” لم تعد مجرد تعبير مجازي، بل أصبحت وصفاً علمياً وثقافياً لحالة متنامية يعيشها ملايين البشر، خاصة مع الانتشار الكاسح للمحتوى القصير والخوارزميات التي تتنافس على خطف كل ثانية من أعمارنا.
إننا لا نعيش فقط عصر التكنولوجيا، بل نعيش عصر اقتصاد الانتباه؛ حيث أصبحت الشركات العملاقة تتنافس على إبقائنا أطول فترة ممكنة أمام الشاشات. وكلما زادت مدة بقائنا، زادت أرباحها، حتى لو كان الثمن هو تراجع قدرتنا على التركيز، وضعف ذاكرتنا، وانهيار قدرتنا على التفكير العميق.
ولعل المفارقة أن الإنسان لم يعد يستخدم الهاتف كما كان في بدايات الإنترنت، بل أصبح الهاتف هو الذي يستخدم الإنسان. فالخوارزميات تراقب ما نشاهده، وما نتوقف عنده، وما نعيد مشاهدته، ثم تبني نسخة رقمية من عقولنا، لتغذينا بالمحتوى الذي يبقينا أسرى لها أطول وقت ممكن.
وليس غريباً بعد ذلك أن يختار قاموس أكسفورد مصطلح Brain Rot كلمةً لعام 2024، بعدما ارتفع استخدامه بصورة غير مسبوقة تجاوزت 230%، في اعتراف عالمي بأن المشكلة لم تعد فردية، وإنما أصبحت ظاهرة اجتماعية تمس البشرية بأكملها.
لكن جذور الفكرة أقدم من ذلك بكثير. ففي عام 1854 حذر الفيلسوف الأمريكي هنري ديفيد ثورو من انحدار الفكر الإنساني عندما ينشغل الناس بالتوافه على حساب المعرفة الحقيقية. ولم يكن يتخيل بالطبع أن يأتي يوم تصبح فيه التفاهة صناعة عالمية تديرها خوارزميات فائقة الذكاء.
ما هو التعفن الدماغي؟
لا يقصد بالمصطلح تلفاً عضوياً يصيب الدماغ، وإنما يشير إلى حالة من التدهور التدريجي في الأداء المعرفي نتيجة التعرض المفرط للمحتوى الرقمي السريع والمجزأ والسطحي، حتى يفقد العقل قدرته على التركيز، والتحليل، والتأمل، وبناء المعرفة.
وتكمن الخطورة في أن هذا التدهور لا يحدث فجأة، بل يتسلل ببطء شديد، حتى يعتاد الإنسان عليه دون أن يشعر.
فالدماغ البشري صُمم ليتعامل مع الأفكار المتصلة، والقصص الطويلة، والقراءة العميقة، أما التدفق اللامتناهي لمقاطع لا تتجاوز ثوانٍ معدودة فيدرب العقل على الانتقال المستمر بين المثيرات، فيصبح التركيز على مهمة واحدة أمراً بالغ الصعوبة.
كيف تُختطف عقولنا؟
الخوارزميات لا تعتمد على الصدفة، بل تعمل وفق مبادئ علم النفس العصبي.
كل إشعار، وكل فيديو قصير، وكل مقطع مضحك، يمنح الدماغ جرعة صغيرة من الدوبامين، وهو الناقل العصبي المسؤول عن الإحساس بالمكافأة.
ومع تكرار هذه الجرعات السريعة، يبدأ الدماغ في الاعتياد عليها، فلا يعود يجد المتعة في القراءة، أو الدراسة، أو الحوار، أو التفكير، لأنها تحتاج إلى جهد وصبر، بينما تقدم الشاشة مكافآت فورية بلا عناء.
وهكذا يتحول الإنسان تدريجياً إلى مدمن للمحفزات السريعة، تماماً كما يحدث في كثير من أنواع الإدمان السلوكي.
عندما تنهار “الأسكيماتا”
يشير علماء النفس المعرفي إلى مفهوم Schema أو “الأسكيماتا”، وهي المخططات الذهنية التي ينظم بها الإنسان خبراته ومعلوماته.
كل معلومة جديدة يكتسبها الإنسان تندمج داخل هذه الشبكات المعرفية، فتساعده على الفهم، والاستنتاج، واتخاذ القرار.
لكن المحتوى المجزأ والمتناقض والسريع لا يمنح الدماغ فرصة لبناء هذه الشبكات.
فيتحول العقل إلى مخزن عشوائي لمئات الصور والمقاطع والنكات والمعلومات غير المترابطة.
ومع الوقت تصبح المعرفة سطحية، ويضعف التفكير النقدي، ويصبح الإنسان أكثر قابلية لتصديق الشائعات، والانجراف وراء الرأي الأكثر انتشاراً، لا الأكثر صحة.
الأعراض… هل أنت مصاب دون أن تدري؟
قد يظن كثيرون أنهم بخير، بينما هم يعيشون بالفعل أعراض التعفن الدماغي.
من أبرز العلامات:
● التمرير اللانهائي للهاتف دون هدف.
● فقدان القدرة على قراءة كتاب أو حتى مقال طويل.
● الشعور بالملل بعد دقائق قليلة من أي محاضرة أو نقاش.
● فتح الهاتف تلقائياً كل بضع دقائق.
● ضعف الذاكرة قصيرة المدى.
● نسيان ما تمت مشاهدته قبل دقائق.
● تراجع القدرة على اتخاذ القرار.
● القلق عند الابتعاد عن الهاتف.
● انخفاض الإنتاجية.
● العزلة الاجتماعية.
● الاعتماد على المحتوى الترفيهي للهروب من الضغوط.
ومع استمرار هذه الحالة، تبدأ ضبابية التفكير أو ما يعرف بـ Brain Fog، فيشعر الإنسان وكأنه يفكر داخل سحابة كثيفة تمنعه من استرجاع المعلومات أو التركيز لفترات طويلة.
من الأكثر عرضة للخطر؟
الطلاب هم الفئة الأكثر تأثراً، لأن أدمغتهم لا تزال في مرحلة التطور، ويحتاجون إلى تدريب مستمر على التركيز والتحليل.
لكن الخطر لا يقتصر عليهم.
الموظف الذي يقضي ساعات العمل يتنقل بين التطبيقات.
ورائد الأعمال الذي لم يعد يستطيع إنهاء تقرير دون مقاطعة.
والأب أو الأم اللذان يجلسان مع أسرتهما بينما أعينهما معلقة بالشاشة.
كل هؤلاء معرضون بدرجات مختلفة لفقدان السيطرة على انتباههم.
التعفن الدماغي والتعليم
تؤكد دراسات عديدة أن الإفراط في استهلاك المحتوى القصير يرتبط بانخفاض التحصيل الدراسي، وضعف الفهم العميق، وتراجع مهارات الكتابة والتحليل.
فالطالب الذي اعتاد تلقي المعلومة في ثلاثين ثانية سيجد صعوبة كبيرة في متابعة محاضرة تستغرق ساعة كاملة، أو قراءة فصل من كتاب أكاديمي.
وهذا لا يعني أن التكنولوجيا عدو للتعليم، بل يعني أن سوء استخدامها يحولها من وسيلة للمعرفة إلى وسيلة لتفريغ العقول.
التأثير على المجتمع
حين تنتشر ظاهرة التعفن الدماغي على نطاق واسع، لا يتضرر الأفراد فقط، بل تتضرر المجتمعات بأكملها.
فالمجتمع الذي يستهلك التفاهة باستمرار يصبح أقل قدرة على الإبداع، وأكثر قابلية للتضليل، وأضعف في مواجهة الأخبار الكاذبة، وأكثر انقساماً بسبب سرعة الانفعال وقلة التفكير.
ولهذا فإن القضية لم تعد قضية هواتف، بل قضية أمن فكري وثقافي ومعرفي.
هل يوجد علاج؟
العلاج يبدأ بالاعتراف بوجود المشكلة.
ثم يأتي الفطام الرقمي التدريجي.
من الضروري تخصيص أوقات خالية تماماً من الهاتف، خصوصاً الساعة الأولى بعد الاستيقاظ، والساعة الأخيرة قبل النوم، وأوقات الطعام، والاجتماعات الأسرية.
كما يجب إيقاف الإشعارات غير الضرورية، وحذف التطبيقات التي تستهلك الوقت بلا فائدة.
وفي المقابل، يحتاج العقل إلى إعادة التأهيل.
فالقراءة اليومية، حتى لو بدأت بعشر دقائق فقط، تعيد تدريب الدماغ على التركيز.
وكتابة الملخصات بخط اليد تنشط الذاكرة طويلة المدى.
وممارسة الرياضة تحسن وظائف الدماغ، بينما يساعد التأمل والجلوس بعيداً عن الشاشات على استعادة صفاء الذهن.
والأهم من ذلك كله هو استعادة التفكير النقدي.
لا تصدق كل ما تشاهده.
اسأل.
ناقش.
ابحث.
تحقق.
واجعل عقلك حكماً على المحتوى، لا أسيراً له.
بين الواقع والفلسفة
ربما كان الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو يقصد شيئاً قريباً عندما تحدث عن اغتراب الإنسان عن ذاته، لكن الاغتراب في عصرنا أصبح رقمياً.
وأصبحت عبارة الفنان أحمد حلمي في فيلم ألف مبروك أكثر تعبيراً عن واقعنا: “ما أجمل أن تكون غائباً حاضراً، على أن تكون حاضراً غائباً.”
فالخطر الحقيقي ليس فيمن غادروا الحياة، وإنما في ملايين البشر الذين يعيشون بيننا بأجسادهم، بينما عقولهم معلقة خلف شاشة لا تنتهي.
إنهم يجلسون معنا، لكنهم لا يسمعون.
ينظرون إلينا، لكنهم لا يرون.
يبتسمون، لكنهم غائبون.
كلمة أخيرة
إن أخطر ما يمكن أن يخسره الإنسان ليس وقته، بل وعيه.
فالوقت يمكن تعويضه، أما العقل إذا اعتاد السطحية، واستسلم للتفاهة، وأدمن التشتت، فإن استعادته تحتاج إلى معركة طويلة مع النفس.
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين الإنسان والآلة، بل بين الإنسان والخوارزمية التي تحاول أن تحدد ماذا يشاهد، وماذا يفكر، وماذا يصدق، وكيف يقضي عمره.
ولهذا فإن الثورة الحقيقية في هذا العصر ليست امتلاك أحدث هاتف، ولا متابعة أحدث تطبيق، وإنما امتلاك القدرة على إغلاق الشاشة عندما يجب أن تُغلق، وفتح العقل عندما يجب أن يفكر.
فالوعي ليس رفاهية.
إنه آخر حصون الإنسان.
وإذا خسر الإنسان وعيه، فلن يحتاج أحد إلى سرقة مستقبله، لأنه سيكون قد سلّمه بيده.



