
مدحت الحلفاوي يكتب: مصر… حكاية حب لا تنتهي
بعض قصص الحب تبدأ بنظرة وبعضها يبدأ بكلمة وبعضها يبدأ من لحظة لا يعرف الإنسان بعدها كيف دخل الحب إلى قلبه. لكن هناك حبا لا نتذكر متى بدأ لأنه كان موجودا قبل أن نعرف معنى الحب نفسه. حب يولد معنا ونكبر وهو يكبر داخلنا ونحمله في كل خطوة وكل ذكرى وكل فرحة وكل وجع وهذا هو حب مصر.
مصر ليست مجرد مكان نعيش فوق أرضه ثم نرحل.
مصر شيء يسكن فينا. هي أول شارع عرفناه وأول بيت احتوانا وأصوات الناس التي صنعت ذاكرتنا والنيل الذي ظل شاهدا على أعمار مرت وأجيال جاءت وأجيال رحلت. هي فرحة المصري عندما يراها بخير وقلقه عندما يشعر أن شيئا يمسها. هي ذلك الشعور الغريب الذي يجعل الإنسان يشتاق إلى وطنه حتى وهو بين أهله وفوق ترابه.
وحكاية حب مصر لم تكن يوما حكاية فرح فقط. فكل حب حقيقي له ثمن ومصر دفعت من أعمار أبنائها ومن دمائهم ومن أحلام بيوتها ثمنا غاليا حتى تظل واقفة. خلف كل انتصار حكايات من التعب وخلف كل لحظة أمان رجال حملوا مسؤوليتهم في صمت وخلف كل شهيد أما ما زالت تحمل صورته في قلبها وتعرف أن ابنها ذهب ولم يعد لكنه ترك اسمه في ذاكرة وطن كامل.
وفي مقدمة المشهد يقف الرئيس عبد الفتاح السيسي بما تحمله مسؤولية قيادة الدولة من أعباء وتحديات وقرارات تمس حاضر مصر ومستقبلها. ثم يأتي جيش مصر الذي ارتبط اسمه بحماية الوطن والدفاع عن أرضه وحدوده وتأتي الشرطة المصرية التي يدفع رجالها من أعمارهم وراحتهم ثمنا لحماية الناس وحفظ الأمن وبين هؤلاء وهؤلاء تبقى أسماء الشهداء الأبرار حاضرة في وجدان مصر لأن الوطن الذي يكرم أبناءه الذين قدموا أرواحهم من أجله لا ينسى تضحياتهم ولا يترك ذكراهم للزمن.
لكن حكاية مصر أكبر من كل ذلك. فهناك جنود لا ترتدي أجسادهم زيا عسكريا ولا يقفون على الحدود. جنود خلف الشاشات يكتبون ويدافعون ويتصدون للشائعة والكلمة التي تستهدف بلدهم.
هناك من يرى أن الدفاع عن مصر مسؤولية في كل موقع وأن الكلمة الصادقة يمكن أن تكون موقفا وأن الانتماء الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج حتى يكون صادقا.
هؤلاء جنود في مواقعهم لأنهم اختاروا أن تكون مصر أولا في اللحظة التي يحتاج فيها الوطن إلى المخلصين.
وفي قلب هذه الحكاية يقف المصري البسيط الذي قد لا يملك سلاحا ولا منصبا ولا منصة يتحدث منها. لكنه يحمل مصر في تفاصيل حياته اليومية. يذهب إلى عمله ويعود إلى بيته ويكافح من أجل أسرته ويحلم لأبنائه بغد أفضل وربما لا يقول كثيرا عن حبه لوطنه لكنه يثبت هذا الحب كل يوم حين يحافظ على بيته وشارعه وعمله وبلده. فمصر ليست فقط في المشاهد الكبيرة التي تصنعها البطولات وإنما تسكن أيضا في ذلك المصري الذي يؤدي واجبه في صمت ويؤمن أن له نصيبا في حماية وطنه والحفاظ عليه.
وقد يكون أجمل ما في حب مصر أن المصري الحقيقي لا يحتاج إلى أن يتلقى درسا في الانتماء. يكفي أن يشعر أن وطنه في خطر حتى يتغير شيء داخله. يتحول الحب إلى مسؤولية ويتحول الانتماء إلى موقف ويتحول الموقف عند الشدة إلى تضحية ولهذا يمكن للمخلصين في حب مصر أن يتحولوا إلى جنود مصرية تدافع عن بلدها كل من موقعه وبقدر ما يستطيع.
وفي مصر حكايات لا تنتهي عن أم ودعت ابنها وهي تعرف أن الوطن يحتاجه وعن أب أخفى وجعه خلف صبره وعن زوجة تحملت غياب زوجها وعن طفل كبر وهو يعرف أن أباه كان واحدا ممن دفعوا ثمن بقاء مصر. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع المعنى الكبير. فالوطن لا يعيش بالكلمات وحدها وإنما يعيش بمن يحبونه حين يأتي وقت الاختبار.
ومصر تستحق هذا الحب لأنها أعطت أبناءها من عمرها وذاكرتها وتاريخها أكثر مما يستطيع الإنسان أن يرد. لذلك يبقى الانتماء إليها حالة تتجاوز الكلام. قد تختلف الأيام وتتغير الظروف وتتبدل الوجوه لكن يظل في قلب المصري شيء ثابت يقول له إن هذه الأرض أرضه وهذا الوطن وطنه وهذه الحكاية حكايته.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله عن مصر أن حبها لا يحتاج إلى مناسبة. لا يحتاج إلى أغنية ولا إلى احتفال ولا إلى صورة ولا إلى كلمات كبيرة. يكفي أن يذكر اسمها فتتحرك في القلب أشياء كثيرة دفعة واحدة. ذكريات قديمة ووجوه غائبة وأيام جميلة وأيام موجعة وأحلام لم تكتمل وانتصارات نفخر بها وشهداء لا ننساهم ورجال ما زالوا يؤدون واجبهم في صمت.
هذه هي مصر التي نحبها. مصر التي فيها الحزن كما فيها الفرح وفيها التضحية كما فيها الحياة وفيها الشهيد الذي ترك روحه فداء لها وفيها الجندي الذي يقف على الحدود وفيها الشرطي الذي يحمي الناس وفيها المسؤول الذي يحمل أعباء القيادة وفيها المواطن الذي يدافع عنها بكلمته وعمله وإخلاصه. كل هؤلاء صفحات مختلفة في كتاب واحد اسمه مصر.
وفي النهاية تبقى الحقيقة الأجمل أن بعض قصص الحب يمكن أن تنتهي مهما طال عمرها. أما حكاية حب مصر فلا نهاية لها. لأنها بدأت قبل أن نعرف معنى الحب وستظل معنا ما بقي في القلب نبض وما بقي في العمر نفس. فمصر ليست حبيبة نختارها ثم نتركها. مصر هي الحب الذي وجدناه قبل أن نعرف الاختيار وهي الوطن الذي إذا أحببناه بصدق أصبح الدفاع عنه جزءا من طبيعتنا وأصبح الانتماء إليه شرفا والتضحية من أجله معنى لا يحتاج إلى شرح.
اللهم احفظ مصر وأهلها وجيشها وشرطتها وارحم شهداءها الأبرار واحفظ كل من يحمل لها في قلبه حبا صادقا ويعمل من أجلها بإخلاص.



