
الادعاء الزائف بالتشبه بالفنانين.. شهرة سلبية لا تكريم
بقلم سماح محروس
في الآونة الأخيرة، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة لافتة، تتمثل في ظهور بعض الأشخاص الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم أشباهًا لعدد من رموز الفن المصري والعربي، في محاولة لجذب الانتباه وتصدر المشهد عبر ما يُعرف بـ«التريند».
ولا تكمن المشكلة في وجود تشابه عابر أو حقيقي بين شخصين؛ فالتشابه الشكلي بين البشر أمر وارد وطبيعي، وإنما تبدأ الإشكالية حين يتحول الأمر إلى ادعاء متكرر ومتعمد، يتم تقديمه باعتباره حقيقة، رغم اعتراض قطاع واسع من الجمهور وعدم اقتناعه بوجود هذا التشابه من الأساس.
ومن بين الأمثلة التي أثارت جدلًا على مواقع التواصل الاجتماعي، ظهور من تقدم نفسها باعتبارها شبيهة بالفنانة الراحلة زبيدة ثروت، وهي إحدى أيقونات السينما المصرية التي لا تزال صورتها وأعمالها حاضرة في ذاكرة محبيها. وقد جاءت كثير من ردود الأفعال الجماهيرية رافضة لفكرة المقارنة، ومعتبرة أن التشابه المزعوم لا يعكس بالضرورة حقيقة يراها المتلقي.
وهنا تبرز نقطة شديدة الأهمية: الرموز الفنية الكبرى ليست مجرد صور أو ملامح يمكن استنساخها، فالفنان الحقيقي هو تجربة كاملة، تشمل الموهبة والحضور والتاريخ والأعمال والمواقف والبصمة التي تركها في وجدان الناس.
لذلك فإن اختزال فنان كبير في مجرد ملامح شكلية، ثم بناء محتوى كامل على ادعاء التشابه به، قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تمامًا. فبدلًا من الشهرة الإيجابية، يتحول صانع المحتوى إلى مادة للنقد والسخرية، وقد يصبح «التريند» الذي سعى إليه شهرة سلبية أكثر منه نجاحًا حقيقيًا.
الجمهور اليوم أكثر وعيًا مما يتخيله البعض، وهو قادر على التمييز بين المحتوى الأصيل والمحتوى المصنوع فقط لإثارة الجدل. كما يستطيع أن يفرق بين فنان صنع اسمه عبر سنوات من العمل والإبداع، وبين شخص يحاول استعارة صورة هذا الفنان للوصول سريعًا إلى مساحة من الشهرة.
والأهم من ذلك أن حياة الفنانين وتاريخهم الفني لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة رخيصة لجذب المشاهدات أو إثارة الجدل. فالاحترام الحقيقي لرموز الفن يكون بالاحتفاء بأعمالهم وتاريخهم وتأثيرهم، لا بتحويلهم إلى أدوات دعائية أو مقارنات متكلفة لا تضيف شيئًا إلى قيمة الفن أو المجتمع.
وعلى كل من يسعى إلى الشهرة أن يدرك أن التميز الحقيقي لا يبدأ من تقليد الآخرين، بل من اكتشاف الذات. فالإنسان لا يحتاج إلى أن يكون نسخة من فنان أو مشهور كي يلفت الأنظار، وإنما يحتاج إلى أن يمتلك شخصية واضحة وموهبة حقيقية ورسالة خاصة به.
فكل إنسان يحمل مزيجًا فريدًا من الصفات والقدرات والتجارب والمشاعر، وهذه الخصوصية هي التي تصنع قيمته. ومن يستطيع تطوير ذاته والوصول إلى أفضل نسخة من نفسه، لا يحتاج إلى الاحتماء باسم شخص آخر أو صورته أو تاريخه.
إن الشهرة المبنية على ادعاء زائف قد تحقق انتشارًا مؤقتًا، لكنها في المقابل قد تفتح أبوابًا واسعة للنقد والاستهجان والسخرية. أما الشهرة التي تستند إلى موهبة حقيقية أو محتوى نافع أو شخصية مستقلة، فهي الأكثر قدرة على الاستمرار والاحترام.
ومن حق الجمهور كذلك أن ينتقد ما يعرض عليه، وأن يرفض المحتوى الذي يراه مسيئًا لذوقه أو قائمًا على التضليل والإثارة غير المبررة. كما أن من حق المجتمع أن يطالب المنصات والمؤسسات الإعلامية والجهات المختصة بتطبيق القواعد المنظمة للمحتوى إذا تجاوز الأمر حدود النقد أو المزاح إلى الإساءة أو التضليل أو انتهاك حقوق الآخرين.
لكن في الوقت نفسه، يجب أن يظل التعامل مع هذه الظواهر في إطار مسؤول ومتزن، بعيدًا عن التنمر أو الإهانة الشخصية؛ لأن نقد الفكرة والمحتوى أكثر قيمة وأثرًا من الهجوم على الأشخاص.
إن الرموز الفنية التي تركت إرثًا حقيقيًا لا تحتاج إلى من «يتشبه» بها حتى تظل حاضرة، فأعمالها كفيلة بتخليدها في الذاكرة. كما أن من يبحث عن مكانة لنفسه، لن يجد طريقًا أكثر احترامًا من أن يكون ذاته، وأن يقدم شيئًا يستحق أن يُنسب إليه هو.
وفي النهاية، قد تتشابه بعض الملامح بين البشر، لكن الإنسان لا يُختصر في وجه أو صورة. فالإنسان هو شخصية وقيم ومشاعر وموهبة وتجربة كاملة، لا يمكن استنساخها.
فالإنسان قيمة ذاتية لا تقبل الاستنساخ، والإبداع الحقيقي لا يولد من تقليد الآخرين، بل من اكتشاف الذات وتطويرها.



