أقلام حره

التعاون المصري الصيني يتصاعد.. ومصر ترسم استراتيجيتها خارج تحالفات الإقليم

كتبت الدكتورة مايسة خليل حسن
المدير التنفيذي لمركز الرؤية للدراسات السياسية والاستراتيجية

في مشهد يحمل دلالات بالغة التعقيد، ومع اشتعال المنطقة على وقع تصعيد عسكري غير مسبوق بين الولايات المتحدة وإيران، حلقت ست مقاتلات صينية من طراز J-16 فوق سماء مصر، لتشارك في النسخة الثانية من التدريب الجوي المشترك “نسور الحضارة 2026”. لم يكن هذا الحدث مجرد مناورة عسكرية اعتيادية، بل حمل في طياته رسائل استراتيجية كبرى حول تحولات عميقة في بنية النظام الإقليمي، وعن إعادة تعريف مصر لاستراتيجيتها العسكرية في عالم تتهاوى فيه الثوابت وتتغير فيه التحالفات بسرعة لا تُصدق. ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تشهد انهيار المذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران وتبادل الضربات العسكرية المباشرة، وضعت المقاتلات الصينية نفسها كعنصر جديد في المعادلة الإقليمية، وأظهرت أن مصر تنظر إلى خيارات متعددة لأمنها، ولا تربط كل أوراقها بالولايات المتحدة، خاصة مع تراجع الثقة في الضمانات الأميركية التي أظهرت هشاشتها في الأزمات الأخيرة.

لم يكن وصول ست مقاتلات صينية من طراز J-16، برفقة طائرات إنذار مبكر وتزويد بالوقود وحرب إلكترونية، مجرد حدث عسكري، بل كان إعلاناً عن قدرة جديدة للقوات الجوية الصينية على إسقاط قوة جوية متكاملة على بعد 7000 كيلومتر. هذه المقاتلات، التي تُعتبر من بين الأكثر تقدماً في الخدمة الصينية، حلقت عبر أجواء أربع دول إلى مصر، مما يشير إلى مستوى متقدم من التنسيق الإقليمي، ويعكس تصاعداً سريعاً في مستوى التعاون العسكري بين البلدين بعد أقل من عام من النسخة الأولى للتدريب. هذا التعاون المتصاعد يضع مصر في موقع مختلف، حيث تسعى من خلال تنويع شركائها العسكريين إلى كسر الاعتماد على مدرسة قتالية واحدة، وتعزيز جاهزيتها العملياتية، وخلق حالة من “التحوط الاستراتيجي” تمنحها مرونة واستقلالية أكبر في القرار السياسي، وفي الوقت نفسه، ترسل رسالة إلى كل الأطراف بأن مصر تمتلك بدائل حقيقية لا تقل فعالية عن الخيارات التقليدية.

يأتي هذا التوجه المصري في وقت اختارت فيه مصر البقاء خارج “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” التي جمعت السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس 2026، في خطوة تعكس رؤية استراتيجية مختلفة. فبينما سعت تلك الدول إلى بناء قدرة ردع إقليمية بعيدة عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، فضلت مصر عدم الانخراط في تحالفات قد تحد من هامش مناورتها، مفضلة نموذج “المشاركة المرنة” الذي يسمح لها بالتعاون مع الأطراف المختلفة في الملفات التي تتوافق مع مصالحها، دون الالتزام بعضوية رسمية في تحالف ذي التزامات دفاعية محددة. وهذا الموقف لا يعكس تردداً مصرياً، بل إدراكاً عميقاً بأن الانخراط في تحالفات إقليمية قد يضعف الدور الوسيط الذي بنته مصر لعقود، وقد يجرها إلى صراعات لا تريدها، خاصة في ظل علاقاتها المتوازنة مع كل الأطراف من الولايات المتحدة إلى روسيا إلى الصين، ومن دول الخليج إلى تركيا إلى إيران، ومصر، التي تدرك أن قوتها لا تكمن في التحالفات الضيقة، بل في قدرتها على التحرك بحرية بين جميع الأطراف، تفضل الحفاظ على مسافة آمنة من أي التزامات قد تحد من استقلالية قرارها السياسي، وتستثمر بدلاً من ذلك في بناء قدراتها الذاتية وتنويع شراكاتها الدولية.

في الاتجاه المعاكس تماماً، تتزايد حدة التصعيد مع إثيوبيا على خلفية أزمة سد النهضة، حيث أعلن وزير المياه والطاقة الإثيوبي أن تدفق مياه النيل باتجاه دول المصب أصبح بالكامل تحت سيطرة بلاده، معلناً نية إثيوبيا تشييد ثلاثة سدود جديدة، في تصعيد جيوسياسي يهدد الأمن المائي المصري. هذه التصريحات، التي تعكس تبنياً غير قانوني لنظرية السيادة الإقليمية المطلقة، دفعت مصر إلى التمسك بموقفها الثابت القائم على رفض أي منشآت تؤثر سلباً على حصتها المائية، والتأكيد على حقها في الدفاع عن أمنها المائي بموجب القانون الدولي، مع التلويح بخيار التحرك عبر مجلس الأمن الدولي. وفي هذا السياق، يبرز التعاون العسكري مع الصين كعامل إضافي في معادلة الردع المصرية، حيث أن الصين، التي تربطها علاقات استراتيجية مع إثيوبيا، أصبحت طرفاً لا يمكن تجاهله في أي تسوية، مما يمنح مصر أوراق ضغط إضافية في مواجهة الموقف الإثيوبي المتصلب. فتنويع مصر لشراكاتها العسكرية مع قوى كبرى مثل الصين يعزز موقفها التفاوضي، ويمنحها أدوات نفوذ في ملفات حساسة تتجاوز الإطار العسكري المحض، ويرسل رسالة إلى إثيوبيا بأن مصر تمتلك حلفاء قادرين على التأثير في موازين القوى الإقليمية، وأن أي حل أحادي الجانب لأزمة المياه سيكون له تداعيات تتجاوز الحدود الثنائية.

ما يحدث اليوم في مصر يعكس تحولاً استراتيجياً أعمق، حيث لم تعد الدولة تنظر إلى أمنها القومي من خلال عدسة تحالف واحد، بل تسعى إلى بناء شبكة معقدة من الشراكات المتوازنة التي تمنحها هامشاً أوسع من المناورة. فالتعاون العسكري مع الصين، والبقاء خارج تحالف مكة، والتصعيد مع إثيوبيا، كلها خيوط في نسيج استراتيجي واحد يهدف إلى تعزيز الموقف المصري في منطقة تشهد تحولات جيوسياسية عميقة. هذا النهج، الذي يجمع بين تنويع مصادر القوة والحفاظ على الحياد الاستراتيجي، يعكس إدراكاً بأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق من خلال الانحياز لتحالف واحد، بل من خلال بناء قدرات ذاتية وعلاقات متوازنة تسمح للدولة بالتحرك بحرية في عالم تتغير فيه قواعد اللعبة بسرعة غير مسبوقة، وفي هذا السياق، تبرز المقاتلات الصينية في سماء مصر كرمز لهذا التحول، حيث أصبحت مصر تبحث عن شركاء جدد لا يفرضون عليها التزامات تحد من استقلاليتها، بينما تواصل الدفاع عن مصالحها الحيوية في مواجهة التحديات الإقليمية المتصاعدة، مؤكدة أن قوتها لا تكمن في الانحياز لأي طرف، بل في قدرتها على تحويل تنوع علاقاتها إلى أداة نفوذ فعالة في عالم متعدد الأقطاب، وأن استراتيجيتها العسكرية لم تعد تقتصر على بناء جيش قوي، بل على بناء شبكة من الشراكات الدولية التي تجعل من الصعب على أي طرف تجاهلها أو تجاوزها في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock