
بين الإنسانية وتجاوزات السوشيال ميديا.. لا شماتة في المرض
بقلم/ سماح محروس
ما إن أُعلن عن تعرض الإعلامي والكاتب الصحفي أحمد موسى لوعكة صحية، حتى فوجئنا بموجة من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي خرج بعضها عن حدود الاختلاف والنقد، وتحول إلى إساءة وتهكم وشماتة في المرض؛ وهو مشهد لا يسيء إلى شخص بعينه بقدر ما يطرح سؤالا مؤلما عن بعض السلوكيات التي استجدت على فضائنا الإلكتروني، ومدى ابتعادها عن أبسط قواعد الإنسانية وأصول المجتمع المصري.
فالمرض ليس ساحة لتصفية الحسابات، والألم الإنساني لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للسخرية، والخصومة في الرأي لا تمنح أحدا حق الشماتة في إنسان أصابه المرض.
لقد عرف المجتمع المصري، عبر تاريخه، معنى الشهامة والمروءة والوقوف إلى جوار الإنسان وقت الشدة، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه. وتعلمنا أن الخصومة تقف عند أبواب المرض، وأن الكلمة الطيبة في لحظات الألم ليست مجاملة، وإنما خلق أصيل وواجب إنساني وديني.
ومن هنا، فإن ما شهدناه من تجاوزات لفظية بحق الإعلامي أحمد موسى يستوجب وقفة جادة، لا دفاعا عن رأي سياسي أو إعلامي، ولا مصادرة لحق أحد في النقد، وإنما دفاعا عن حق الإنسان في ألا يتحول مرضه إلى مناسبة للتشفي والإهانة.
الاختلاف حق.. والإساءة ليست رأيا
من حق أي مواطن أن يختلف مع إعلامي، وأن ينتقد أداءه وبرنامجه ومواقفه وأفكاره، بل إن النقد الموضوعي أحد مقومات المجتمعات الحية. لكن هناك فارقا كبيرا بين النقد وبين السب، وبين المعارضة وبين التجريح، وبين رفض الفكرة وبين الشماتة في صاحبها حين يمرض.
حرية التعبير لا ينبغي أن تكون ستارا للإساءة، والنقد لا يفقد قيمته إلا حين يتحول إلى انتقام شخصي أو اعتداء لفظي.
وأحمد موسى، اتفق البعض معه أو اختلفوا، يبقى واحدا من الأسماء الإعلامية والصحفية المعروفة التي قدمت سنوات طويلة من العمل المهني، ومن ثم فإن تقييم تجربته ومواقفه يكون بالكلمة والحجة والنقد المهني، لا بالتشفي في وعكة صحية ألمت به.
السوشيال ميديا ليست خارج حدود المسؤولية
إن بعض الممارسات التي تنتشر عبر مواقع التواصل تحتاج إلى مزيد من الوعي والمسؤولية، وإلى مواجهة التجاوزات التي تتخطى حدود النقد المشروع إلى السب والقذف والإساءة، كلما استدعى الأمر ذلك، من خلال الأطر القانونية والإجرائية المختصة.
فالمجتمعات لا تبنى بالصراخ ولا بالتجريح، ولا تنهض بإسقاط الأشخاص معنويا، وإنما تنهض بالحوار والنقد البناء واحترام الاختلاف.
ونحن أحوج ما نكون اليوم إلى إعادة الاعتبار لقيمة الكلمة؛ فالكلمة قد تجبر خاطرا، وقد تهدم إنسانا، وقد تبني وعيا، وقد تزرع كراهية لا تنتهي.
لا شماتة في المرض
علينا أن نختلف كما نشاء، وأن نناقش وننتقد ونرفض، ولكن دون أن نفقد إنسانيتنا.
فإذا طرق المرض باب إنسان، سقطت أمام ألمه كثير من الخصومات، وبقيت الأخلاق هي الاختبار الحقيقي لنا جميعا.
وما أجمل أن يظل المصري وفيا لما عرف عنه من شهامة وطيبة ومساندة للآخر وقت المحن؛ لأن الأمم لا تقاس فقط بما تبنيه من طرق ومبان ومؤسسات، وإنما تقاس كذلك بما تحفظه في نفوس أبنائها من رحمة وأخلاق واحترام للإنسان.
لا للشماتة في المرض.
لا للتجريح والإساءة تحت ستار الاختلاف.
نعم للنقد البناء، ونعم للكلمة الطيبة، ونعم لإنسانيتنا التي ينبغي ألا نخسرها مهما اشتد الخلاف.
وفي الختام، نتمنى للإعلامي والكاتب الصحفي أحمد موسى الشفاء العاجل، وأن تمر وعكته الصحية بسلام، وأن يعود إلى جمهوره وبرنامجه «على مسؤوليتي» بكامل صحته وعافيته، ليواصل مسيرته الإعلامية والمهنية.
حفظ الله مصر وشعبها، وحفظ في أهلها تلك الخصال الأصيلة التي عرفناها جيلا بعد جيل: المروءة والشهامة والرحمة والكلمة الطيبة.



