
بين المطالبة بالإقالة ودعم القرارات الإيجابية.. التعليم يحتاج إلى النقد البناء
بقلم/ سماح محروس
في خضم حالة الجدل الدائرة حول منظومة التعليم وارتفاع أصوات تطالب بإقالة وزير التربية والتعليم، يظل من حق الرأي العام أن يتساءل بكل شفافية: ما أسباب المطالبة بالإقالة؟ وهل التوقيت الحالي هو الأنسب لمثل هذا المطلب، خاصة مع صدور قرارات تستجيب، ولو جزئيًا، لبعض مطالب الطلاب وأولياء الأمور؟
وللأمانة، فإن الاختلاف في الرأي حق مشروع، وانتقاد السياسات التعليمية أمر ضروري عندما يكون الهدف هو الإصلاح وتصحيح المسار، لكن النقد البناء يختلف تمامًا عن الهجوم لمجرد الهجوم، كما أن المطالبة بتغيير المسؤول يجب أن تستند إلى تقييم موضوعي لما تحقق وما لم يتحقق.
وأقولها بوضوح: رغم اعتراضي السابق على عدد من سياسات التعليم، فإنني أرى أن بعض القرارات الأخيرة تستحق الدعم والتشجيع، لا المطالبة بالإقالة بسببها.
ومن أبرز هذه القرارات، في رأيي، الاتجاه إلى أن يكون 50% من التقييم من خلال الأسئلة المقالية و50% من خلال أسئلة الاختيار من متعدد. وأرى أن هذا التوجه يمكن أن يحمل عددًا من الإيجابيات، من بينها إتاحة مساحة أكبر لقياس الفهم الحقيقي للطالب، وإظهار الفروق الفردية بين الطلاب، وعدم الاعتماد بصورة كاملة على نمط واحد من الأسئلة.
فالطالب المتفوق الذي بذل جهدًا طوال العام الدراسي من حقه أن يجد في الامتحان مساحة يستطيع من خلالها التعبير عن فهمه للمادة وقدرته على التحليل والاستنتاج، وليس فقط اختيار إجابة من بين عدة اختيارات.
كما أن وجود جزء مقالي في الامتحان قد يسهم في تعزيز قدرة الطالب على التعبير وإظهار طريقة تفكيره، فضلًا عن أنه يجعل عملية تقييم الإجابة مرتبطة بصورة أكبر بما يقدمه الطالب بالفعل.
ومن زاوية أخرى، فإنني كولية أمر كنت، مثل كثير من أولياء الأمور، أطرح تساؤلات وشكاوى بشأن بعض سلبيات منظومة الامتحانات السابقة، وما ارتبط بها من مخاوف حول الغش وطرق التحايل والتلاعب بنتائج الطلاب.
ومن هنا، فإن أي خطوة تستهدف تحقيق قدر أكبر من العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص بين الطلاب يجب أن تحظى بالنقاش الجاد والدعم عندما تكون في الاتجاه الصحيح.
ولست هنا للدفاع عن وزير التربية والتعليم دفاعًا مطلقًا، ولا أرى أن أي مسؤول فوق النقد أو التقييم. بالعكس، المسؤول الذي يتولى ملفًا بحجم التعليم يجب أن يكون محل متابعة ومحاسبة مستمرة، ولكن في الوقت نفسه يجب ألا نغفل أي خطوة إيجابية لمجرد أن لدينا اعتراضات سابقة على سياسات أخرى.
فالعدالة في الحكم تقتضي أن نذكر السلبيات كما نذكر الإيجابيات.
وإذا كان هناك قرار نراه جيدًا، فلماذا لا نقول إنه جيد؟ وإذا كان هناك قرار نختلف معه، فلماذا لا ننتقده بموضوعية ونطرح البدائل؟
أما أن نطالب بالإقالة في الوقت الذي بدأت فيه بعض الملفات الشائكة تتحرك، وبدأت الوزارة في الاستجابة لبعض مطالب الطلاب وأولياء الأمور، فأرى أن الأمر يحتاج إلى وقفة وتقييم هادئ بعيدًا عن الانفعال.
وأوجه رسالتي إلى أولياء الأمور والطلاب: نحن لا نريد وزيرًا لا يُخطئ، فهذا غير موجود، ولكننا نريد مسؤولًا يستمع ويستجيب ويصحح الأخطاء عندما تظهر.
وإذا كانت هناك قرارات جديدة تستهدف الحد من الغش وتحقيق العدالة بين الطلاب، فعلينا أن ندعمها، وفي الوقت نفسه نستمر في المطالبة بتطويرها وتحسينها بما يحقق مصلحة أبنائنا.
كما أنني أرى أن زيادة مساحة الأسئلة المقالية قد تكون خطوة إيجابية إذا تم تنفيذها بصورة عادلة ومدروسة، مع توفير معايير واضحة للتصحيح وضمان تكافؤ الفرص، بما يحفظ حق الطالب في الحصول على درجته المستحقة ويجعل التظلم أكثر وضوحًا وعدالة.
نحن لا نبحث عن معركة مع وزارة التعليم، وإنما نبحث عن تعليم أكثر عدلًا، وامتحانات أكثر شفافية، ومستقبل أفضل لأبنائنا.
ولهذا أقولها هذه المرة بوضوح، وبصفتي ولية أمر: لا لإقالة وزير التربية والتعليم لمجرد الاختلاف أو الانفعال، طالما أن هناك خطوات حقيقية نحو معالجة السلبيات والاستجابة لمطالب الطلاب وأولياء الأمور.
وفي المقابل، نعم للنقد البناء، ونعم للمحاسبة، ونعم لمراجعة أي قرار يثبت أنه لا يحقق مصلحة الطلاب.
فالهدف في النهاية ليس بقاء شخص في منصبه، ولا رحيله، وإنما إصلاح منظومة التعليم وحماية حقوق الطلاب وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص.
وأتمنى أن تستمر الوزارة في الاستماع إلى صوت أولياء الأمور والطلاب، وأن تتعامل مع الملفات الشائكة بشفافية، وأن تكون المرحلة المقبلة أكثر إيجابية واستجابة لمطالب المجتمع.
شكرًا لكل قرار إيجابي يخدم أبناءنا، وشكرًا لكل مسؤول يستمع إلى المواطنين، وفي الوقت نفسه لا بد من استمرار النقد الموضوعي حتى نصل إلى منظومة تعليمية أكثر عدلًا وشفافية.
وأخيرًا، هذا رأيي الشخصي كولية أمر، ولا يمثل إلا وجهة نظري، وأؤمن أن اختلاف الآراء لا يفسد للود قضية، وأن مصلحة أبنائنا يجب أن تظل دائمًا فوق أي خلاف.



