أقلام حره

حين يصبح الترند أقوى من الحقيقة

 

بقلم عهود حسن البيومي

لم يعد الترند مجرد وسيلة لمعرفة ما يشغل الناس على مواقع التواصل الاجتماعي وإنما أصبح في بعض الأحيان قوة قادرة على توجيه النقاش العام وصناعة صورة ذهنية عن أشخاص وقضايا خلال ساعات قليلة

المشكلة ليست في التكنولوجيا ولا في سرعة انتشار المعلومة وإنما في الثقافة التي تجعل البعض يتعامل مع كل ما يحقق مشاهدات باعتباره حقيقة وكل ما يثير الجدل باعتباره قضية تستحق التصدر

وأصبح من السهل أن تتحول واقعة شخصية إلى حديث عام وأن تتحول لحظة انفعال إلى مادة للتداول وأن يجد شخص نفسه موضع حكم اجتماعي قبل أن يعرف الناس الحقيقة الكاملة أو يسمعوا جميع الأطراف

وهنا تظهر مسؤولية المستخدم قبل مسؤولية المنصة فالمشاركة ليست فعلًا محايدًا دائمًا وإعادة نشر معلومة غير موثقة قد تضر بسمعة إنسان أو تزرع فكرة خاطئة أو تدفع المجتمع إلى إصدار حكم متسرع

والأخطر أن هذه الثقافة بدأت تؤثر في الأجيال الأصغر التي قد تتعلم أن الشهرة أهم من الإنجاز وأن عدد المشاهدات أهم من قيمة المحتوى وأن الصدمة أهم من الحقيقة

ومن هنا يصبح دور الأسرة والمدرسة والإعلام مهمًا في بناء وعي رقمي جديد يعلم أبناءنا أن ليس كل ما يُنشر يستحق التصديق وأن الاختلاف لا يعني الإساءة وأن الخصوصية ليست مادة للترفيه وأن الشهرة لا تمنح صاحبها حق انتهاك حقوق الآخرين

كما أن الإعلام المهني أمام مسؤولية أكبر لأنه قادر على تقديم نموذج مختلف يقوم على التحقق والدقة واحترام الخصوصية والتمييز بين الخبر والرأي وعدم تحويل معاناة الناس إلى سباق مشاهدات

فالصحافة لا ينبغي أن تكون نسخة أخرى من الترند وإنما صوتًا يهدئ المشهد ويضع المعلومات في سياقها ويطرح الأسئلة التي تساعد الناس على الفهم بدلًا من دفعهم إلى الانفعال

والمجتمع الذي يحترم نفسه لا يسمح بأن تصبح سمعة الإنسان ثمنًا للترفيه ولا أن تتحول خصوصيات الأسر إلى مادة للتسلية ولا أن يصبح الحكم على الآخرين أسهل من محاولة فهمهم

نحن لا نحتاج إلى إلغاء الترند ولا إلى محاربة مواقع التواصل الاجتماعي وإنما نحتاج إلى ثقافة أفضل في التعامل معها ثقافة تعرف متى تشارك ومتى تتحقق ومتى تصمت

فالقوة الحقيقية ليست في أن تكون أول من ينشر وإنما في أن تكون أكثر وعيًا بما تنشره

والوعي الحقيقي ليس أن تعرف ما هو الترند وإنما أن تعرف لماذا أصبح ترندًا وهل يستحق أن يكون كذلك أصلًا

وهنا يأتي دور الإعلام المهني والخدمي في إعادة ترتيب الأولويات وتسليط الضوء على القضايا التي تمس حياة الناس فعلًا مثل التعليم والصحة والخدمات والأسرة والتربية بدلًا من ترك مساحة الوعي العام بالكامل لما يفرضه التفاعل اللحظي

فالصحافة الخدمية الحقيقية لا تبحث عن الإثارة وإنما تبحث عن الفائدة وتقدم للمواطن معلومة موثوقة ورسالة توعوية وتضع القضية في إطارها الصحيح

والصحفي المهني لا يطارد الترند لمجرد أنه منتشر وإنما يسأل هل هناك قيمة عامة حقيقية تستحق التناول وهل يمكن أن يقدم للجمهور معرفة أو خدمة أو تفسيرًا أو حلًا

وفي النهاية فإن قوة المجتمع لا تقاس بعدد ما يتصدر قوائم الترند وإنما بقدرته على التمييز بين ما يستحق الاهتمام وما يستحق التجاهل

ليس كل ما يلمع ترندًا يستحق أن يصبح قضية وليس كل ما يحقق ملايين المشاهدات يستحق أن يسكن عقول الناس

فالوعي يبدأ عندما نتوقف عن سؤال ماذا يشاهد الناس ونبدأ في سؤال ماذا يستحق أن يشاهده الناس

وهنا تحديدًا يظهر دور الإعلام الحقيقي في صناعة الوعي لا في مطاردة الضجيج

فالكلمة التي تُنشر اليوم قد تصبح ثقافة غدًا ولذلك فإن مسؤولية الكلمة لا تقل عن مسؤولية الخبر

وحين نرتقي بثقافة التعامل مع الترند نكون قد بدأنا في حماية المجتمع من أخطر ما يمكن أن يصنعه التفاعل بلا وعي وهو أن يصبح الضجيج بديلًا عن الحقيقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock