
“وجيه نزيه” يكتب : رقصة على حافة الهاوية .. قراءة مصرية في جنون المشهد الدولي الراهن .
من مُنطلق دراستي الأكاديمية بالعلوم السياسية و تخصصي بالعلاقات الدولية و تحديداً بالشأن الأوروبي و عن متابعاتي الدقيقة لديناميكية حراكه السياسي المُتجدد بالقرارات و المُتسارع بالأحداث و المتنافر بالأوضاع و تناقُضها .. حيث اطرح عليكم إستبيان للمشهد الدولي الجنوني الراهن مُستشرفاً منه ما أراه بعين الوقائع و الحقائق البينة .. حيث يتخبط العالم بأسره اليوم للأسف في مُخاض عسير غير مسبوق ،و كأن إتجاهات العقل البشري قد انحرفت بالكامل نحو حافة الهاوية جدياً في مشهد أقرب ما يكون إلى رقصة جماعية على أطراف قدوم حرب عالمية جديدة بلا أسباب مُقنعة أو مكاسب واضحة ،و لكنه تخبط يسبقه تعند و إستعراض قوي .
و علي هذا السياق و من قلب المحروسة مـصـــر ،و نحن نتابع هذا التسارع الجنوني في وتيرة التصعيد الجيوسياسي .. حيث نقف مذهولين أمام إصرار الأطراف الفاعلة على إحراق ما تبقى من إستقراراً لهذا الكوكب غير مُعترفين بأن تداعيات هذا العبث الدولي ستطرق باب إستقرارنا و أمننا القومي عاجلاً لا آجلاً .
فعلى الساحة الأوروبية تشتعل الجبهات بوتيرة متسارعة تنذر بالخطر الداهم .. فمن تصعيد فرنسي روسي حاد إلى إندفاع بريطاني غير محسوب في زيادة شحنات الأسلحة النوعية لأوكرانيا و إستدعاءات دبلوماسية متوترة ،ولا يقف الأمر عند هذا الحد ،و لكنه يمتد إلى المشهد السريالي المُبهم دون جدوي من مكاسب سياسية أو إقتصادية .. فمن خلال الإعلام البريطاني الرسمي حين يُطلب من المواطنين تخزين المواد الغذائية إستعداداً لحرب مُحتملة فضلاً عن الإستفزازات و التصعيدات و الهجمات في بولندا و تكدس القواعد العسكرية و تعبئتها ،و ما يحدث في ألمانيا حيث وجهت برلين إتهامات مباشرة لموسكو بالوقوف خلف هجوم بمسيرة مُفخخة استهدف مطار لايبزيغ مُتزامناً ذلك مع إغلاق البيت الروسي و كذلك القنصليات ،و أما في جنوب أوروبا تقف إيطاليا على توجس دائم لا حدود له بسبب التحركات العسكرية و الوجود المُتنامي للقوى الكبرى نحو شواطئ ليبيا ،و التي تمثل بالنسبة لنا في مصر عمقاً إستراتيجياً و مجالاً حيوياً لا يمكن التهاون في أمنه .
و على كل هذا تتجلى الطامة الكبرى في صفقات السيطرة العسكرية المفاجئة على مناطق إستراتيجية كجرين لاند لتُطرح الأسئلة الكبرى حول مصير أوروبا التي سُلبت إرادتها الإقتصادية و الصناعية و أُفرغت من إستقلاليتها .. لتصبح تابعة بالكامل لمصالح قوى كبرى أوهنت بنيتها من الداخل و الخارج على حساب أمن شعوبها ،و في الحين لا يقل المشهد في منطقتنا العربية قتامة و سوداوية .. حيث تقف أمتنا دائماً في منتصف دائرة النار و هذا الخراب .. فمنذ عقود من الأزمات المُتتالية و تفكيك الدول النامية و الناهضة لا تزال أدوات التخريب تستكمل أدوارها المشبوهة ،و الأسوأ هو بروز أبواق و أدوات وظيفية ترتدي ثوب الوطنية زيفاً لتسوق لخطاب هدم المؤسسات و تخريب الأوطان من الداخل خدمةً لأجندات خارجية واضحة المعالم .
و على إضافات المزيد من الأوضاع لهذا الإستبيان حيث تشهد المنطقة برمتها منعطفاً أمنياً بالغ الخطورة وسط تشابك مُعقد للساحات الإقليمية المُشتعلة بدءاً من التصعيد العسكري المُتصاعد بين الولايات المتحدة و إيران الذي يلقي بظلاله الثقيلة على الإستقرار الإقليمي بالشرق الأوسط ،و مروراً بالعمليات العسكرية العنيفة و التصعيد المُستمر من قبل الكيان المحتل في كل من لبنان و سورية ،و وصولاً إلى الهجمات المُستمرة التي تشنها جماعة الحوثي بالمسيرات و الصواريخ في خطوط الملاحة و العمليات العسكرية ،و وصولاً إلى التطور الأخير المُتمثل في محاولة الهجوم بطائرة مسيرة نحو الأجواء الغربية لمدينة مكة المكرمة و ما أثاره ذلك من إستنكار دولي واسع و تأكيدات قطعية على أن أمن المقدسات الإسلامية يمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه .. مما ينذر بإحتمالية إنزلاق الشرق الأوسط إلى حافة مواجهة شاملة يصعب إحتواء تداعياتها المُدمرة على الأمن و السلم الدوليين .
و من منظور مصري خالص ندرك تماماً أن هذه التناقضات و الخيانات و المؤامرات و التكتلات بالإنتهاكات بما حولنا تحيط ببلادنا من كل الإتجاهات سواء على حدودنا الغربية في ليبيا التي تعد شريان أمننا القومي المباشر أو عبر التهديدات المستمرة و التصعيد الإقليمي على حدودنا الشرقية .. فبينما تقف الدولة المصرية وجيشها الوطني و مؤسساتها راسخة كالسد المنيع في وجه كل محاولات زعزعة الإستقرار أو نشر الفوضى واعيَةً تماماً لكل هذه التحديات و مُستعدة للتعامل معها بحكمة و إقتدار .
و علي مُجمل كل هذا فإن ما نراه اليوم ليس سوى حلقة جديدة من مسلسل إداري و إستراتيجي فاقد لأي منطق سليم .. حيث صراعات بلا أفق و حروب عبثية لا تجلب سوى الدمار و سفك الدماء ،و أمام هذا العته السياسي المُستشري نتضرع إلى الله عز وجل أن يحفظ مـصــرنا الغالية و أمتنا العربية من شرور هذا العبث الدولي ،و أن يلهم عقلانية العالم شيئاً من الرشد لتدرك الإنسانية جمعاء خطورة الإنزلاق نحو الهاوية التي لا عودة بعدها ،و في عهدً اجتمعت ذكراه اليوم لمناسبة إقرار منظمة الأمم المتحدة ( اليوم الدولي للسلام ) !



