أخبار مصر

الإرهاق الإداري التحدي الصامت الذي يقوض استراتيجيات الإدارة الذكية.


​بقلم
د/أيمن عيسى
استشاري إدارة وتنمية الموارد البشرية

​في العقد الأخير تسابقت المؤسسات نحو تبني نماذج “الإدارة الذكية” (Smart Management)، معتمدة على التكنولوجيا الفائقة وتحليل البيانات الضخمة لتحقيق أقصى درجات الكفاءة.
ورغم هذه القفزات التقنية برز عدو خفي يتسلل إلى أروقة المكاتب والاجتماعات الافتراضية وهو “الإرهاق الإداري”.
هذا المصطلح لا يعبر فقط عن إجهاد بدني بل هو حالة من الاستنزاف الهيكلي الذي يصيب المنظمة في مقتل.

​ولعلاج هذا الخلل لا بد تشخيص حاله الإرهاق الإداري في عصر الذكاء
لأن الإرهاق الإداري هو النتيجة الحتمية للفجوة بين سرعة الأنظمة التقنية وقدرة الاستيعاب البشرية. فبينما تستطيع الخوارزميات معالجة ملايين البيانات في ثوانٍ
يظل القائد البشري محاصراً بـالتخمة المعلوماتية
(Information Overload)
مما يؤدي إلى ما نسميه علمياً شلل القرار.
​و من وجهة نظري كاستشاري الموارد البشرية لاحظت أن الإرهاق الإداري يتجلى في ثلاث ظواهر رئيسية:

1- ​تآكل المرونة التنظيمية:
حيث تصبح الإجراءات التي وُضعت لتسهيل العمل عبئاً يحتاج إلى إدارة بحد ذاته.
2- ​الانفصال العاطفي والوظيفي:
يبدأ الكادر الإداري بالعمل كآلة مفتقداً للرؤية الإبداعية والذكاء العاطفي.
3- ​ارتفاع معدل الدوران الوظيفي النوعي:
فقدان الكفاءات التي لا تطيق البقاء في بيئة عمل تستنزف طاقاتها الذهنية دون إنتاجية حقيقية.

​والسؤال هنا لماذا يفشل الذكاء في مواجهة الإرهاق؟

​الخطأ الشائع الذي تقع فيه العديد من القادة هو الاعتقاد بأن المزيد من التكنولوجيا يعني ضغطاً أقل.
والحقيقة أن التكنولوجيا قد تزيد من حدة الإرهاق إذا لم تكن مدعومة بـ ثقافة الفصل
لأن تواجد المدير أو الموظف في حالة اتصال دائم
(Always-on culture)
يخلق حالة من الترقب المزمن وهو ما يرفع مستويات الكورتيزول ويقلل من جودة التفكير الاستراتيجي.

​وفي السطور التالية أقدم روشتة سريعة ومختصرة للتعافي المؤسسي ​لمواجهة هذا العدو الخفي يجب على المؤسسات التي تطمح لأن تكون “ذكية” حقاً تبني استراتيجيات تعتمد على ما بعرف بأنسنة الإدارة
و ​هندسة العمليات (Process Re-engineering):
حيث يجب مراجعة كافة العمليات الإدارية وحذف الدهون التنظيمية أي الخطوات التي لا تضيف قيمة حقيقية ولكنها تستهلك وقتا و جهداً ذهنياً.
وكذا ​تفعيل استراتيجيات الرفاهية الرقمية ، وضع سياسات واضحة تمنع المراسلات الإدارية خارج ساعات العمل الرسمية لضمان استعادة الكفاءة الذهنية للموظفين.
وتبني استراتيجية ​القيادة بالنتائج لا بالعمليات بمعنى التوقف عن مراقبة كيف يقضي الموظف وقته والتركيز على ماذا حقق الموظف. مما يقلل من ضغط المراقبة اللصيقة (Micromanagement).
وايضا انصح ب​الاستثمار في الذكاء العاطفي وتدريب القادة على اكتشاف علامات الإرهاق المبكر في فرقهم قبل أن تتحول إلى احتراق وظيفي شامل.
​وفي الختام..
أؤكد هنا ​إن الإدارة الذكية ليست مجرد برمجيات متطورة بل هي نظام متكامل يحترم الطاقة البشرية كأغلى مورد لدى المؤسسة.
وان عملية مواجهة الإرهاق الإداري لم تعد خياراً رفاهياً بل هي ضرورة استراتيجية لضمان استدامة الأعمال في عالم لا يتوقف عن التسارع.
​وأذكر القاده دائماً: المنظمة التي تُرهق عقول كفاءاتها هي منظمة تستثمر في فشلها المستقبلي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
اهلا وسهلا

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock