
وجيه نزيه ” : التحديات المشتركة في بحر مائُه تغلي .. كيف ترى أوروبا دور مصر الإقليمي ؟
لم يعد خافياً أن إقليم البحر المتوسط بات يتحول تدريجياً إلى مسرح مفتوح على كافة الإحتمالات و التعثرات فتتقاطع فيه شبكة مُعقدة من الإضطرابات التي تتمثل في الأزمات و الحروب الإقليمية المُشتعلة في الشرق الأوسط ،و من خلال حالة عدم الإستقرار في دول الجوار مثل ليبيا .. فضلاً عن ضغوط الهجرة غير الشرعية و تدفقات الفارين من جحيم النزاعات نحو السواحل الأوروبية ،و أيضاً تهديدات أمن الطاقة و الملاحة في الممرات الحيوية ،و في ظل هذه البيئة المُلتهبة التي تجعل المتوسط بحراً يغلي تبدو أوروبا مأزومة في مقاربة أمنها و إستقرارها .. حيث تدرك العواصم الأوروبية يوماً بعد يوم أن أمن القارة العجوز لم يعد يُحمي فقط من داخل حدودها ،و لكن يتحدد مصيره على ضفافه الجنوبية .
و من هذا المنطلق لم تعد النظرة الأوروبية إلى مصر تقتصر على كونها مجرد دولة ذات ثقل تقليدي مُعتاد لأمن القارة الأوروبية ،و لكنها تحولت إلى إقرار عميق بأن القاهرة تمثل الركيزة الأساسية و المرساة الصلبة التي يمكن الإعتماد عليها لضبط التوازنات الإقليمية و حماية المصالح المشتركة التي تضمن بقاء و إستقرار ضفتي المتوسط برمته .
و علي هذا فإن قراءة بروكسل لدور مصر الإقليمي تنطلق من واقع براغماتي تفرض الجغرافيا واقعها .. فالبحر المتوسط الذي يربط القارتين يواجه تحديات وجودية تتصدرها شبكة المخاطر الأمنية المُتشابكة و أيضاً المُضطرب لتدرك المؤسسات الأوروبية أن مصر تمثل قوة إستقرار كبرى قادرة على إدارة ملفات بالغة التعقيد بحنكة و دبلوماسية مُتزنة .. فعلى صعيد أمن الطاقة و التحول الأخضر باتت مصر شريكاً إستراتيجياً لا غنى عنه لتأمين و تنويع مصادر الإمدادات لأوروبا عبر مشروعات الربط الكهربائي و إنتاج الغاز و الهيدروجين الأخضر ،و هو ما يلتقي مع السعي الأوروبي الحثيث للإبتعاد عن مصادر الطاقة المُهددة بالأزمات ليصبح شريان الطاقة المصري صمام أمان حقيقي لأمن القارة العجوز ، ولا تقف الرؤية الأوروبية لدور مصر عند حدود الطاقة ،و لكنها تتقاطع بقوة مع مصلحة أوروبا المُلحة في وقف تدفقات الهجرة غير الشرعية و إدارة الحدود .. حيث تنجح القاهرة في إيقاف ضغط الهجرة عبر سواحلها بفعالية عالية محولة نفسها إلى خط دفاع أول يحمي السواحل الأوروبية من أعباء ديموغرافية و ادإجتماعية ضخمة ،و إدراكاً من بروكسل لثقل هذا الدور تحولت العلاقات إلى شراكة إستراتيجية شاملة تستهدف معالجة الأسباب الجذرية عبر الدعم التنموي و الإقتصادي و الإستثماري المُستدام .
و علاوة على ذلك تتعاظم الأهمية الإستراتيجية لدور مصر في الإدراك الأوروبي من خلال قدرتها على لعب دور الوسيط الموثوق به و الفاعل في حلحلة الأزمات الإقليمية المُتسعرة بشكل متفاقم خطر في غزة و لبنان و شرق المتوسط .. حيث تبحث الدبلوماسية الأوروبية دائماً عن صوت العقل و الحكمة الذي تمتلكه القاهرة لخفض التصعيد و رفض أي محاولات من صور الفوضى ،و تكريساً لمصالح مشتركة ترفض الإنزلاق نحو الصدام و تعلي من شأن الدبلوماسية و لغة الحوار كبديل يحفظ التجارة و الإستقرار بين الطرفين .
و ختاماً بالحق نتحدث بأن أوروبا اليوم تستشعر بتجاهل الدور المصري أو التقليل من محوريته يعد مغامرة غير محسوبة النتائج في إقليم يغلي على صفيح ساخن ،و من هنا تتعاضد القارة العجوز صياغة شراكة عابرة للأزمات مع مصر مبنية على قناعة راسخة مفادها أن إستقرار ضفة المتوسط الجنوبية و إستدامة أمنه هما الوجه الآخر لإستقرار أوروبا ذاتها ،و أن القاهرة ليست فقط شريكاً في مواجهة الإضطرابات ،ولكنها بمثابة صمام الأمان الحقيقي كما ذكرت في بحر مُضطرب تتقاذفه أمواج المصالح المتبادلة .



