
فتح التي نريدها حركة تستعيد ثقة الناس وتقود المستقبل
كتب/ رامي الغف*
في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ القضية الفلسطينية، لم يعد السؤال: هل تحتاج حركة فتح إلى التجديد؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف تجدد فتح نفسها، وتستعيد ثقة شعبها، وتستعيد دورها في قيادة المشروع الوطني؟
فتح ليست مجرد اسم في التاريخ الفلسطيني، وليست تنظيماً عابراً في مسيرة شعبنا. هي حركة ارتبط اسمها بمحطات مفصلية في النضال الوطني الفلسطيني، وقدّم أبناؤها الشهداء والأسرى والجرحى، وخاضت أجيالها معارك طويلة من أجل الحرية والاستقلال.
لكن احترام التاريخ لا يعني التوقف عنده.
فالتاريخ يُحترم، لكنه لا يكفي وحده لصناعة المستقبل.
اليوم، شعبنا يعيش ظروفاً استثنائية، وتحديات غير مسبوقة، وحالة من الألم والإحباط وفقدان الثقة بالمؤسسات والقوى السياسية، وفي ظل هذا الواقع، فإن استمرار العمل بالعقلية ذاتها، والأدوات ذاتها، والوجوه ذاتها، لن يقودنا إلى نتائج مختلفة.
شعبنا يريد فتح موحّدة وقوية، لكنه يريدها أيضاً فتح قريبة منه، تسمعه وتفهم معاناته وتدافع عن حقوقه وتقدم له نموذجاً مختلفاً في العمل السياسي والتنظيمي.
يريد فتح التي يشعر فيها المواطن أن صوته مسموع، وأن الكفاءة معيار التقدم، وأن النزاهة شرط للمسؤولية، وأن الموقع التنظيمي ليس امتيازاً شخصياً ولا حقاً مكتسباً إلى الأبد.
لقد تغير المجتمع الفلسطيني، وتغيرت أدوات السياسة والإعلام والتواصل، وتغيرت طبيعة التحديات التي تواجه القضية. ولذلك لا يمكن أن تبقى الحركة أسيرة آليات الماضي.
جيل الشباب الذي نشأ في زمن مختلف يريد أن يرى نفسه داخل الحركة، لا على هامشها.
والكفاءات الفلسطينية المنتشرة في مختلف المجالات يجب أن تجد طريقها إلى مواقع التأثير وصناعة القرار، لا أن تبقى مجرد طاقات تنتظر الاعتراف بها.
إن تجديد فتح لا يعني إقصاء الجيل القديم، ولا التنكر لتاريخ المناضلين، ولا التقليل من تضحيات الشهداء والأسرى والجرحى. على العكس تماماً؛ إن أفضل وفاء لهذا التاريخ هو أن نحميه من الجمود، وأن نحول إرثه النضالي إلى مشروع قادر على مواجهة المستقبل.
فتح بحاجة إلى مصالحة داخلية حقيقية، لا مجرد تفاهمات مؤقتة. بحاجة إلى مؤسسات قوية وفاعلة، وإلى آليات ديمقراطية واضحة، وإلى مراجعة نقدية شجاعة للأخطاء، وإلى ثقافة تنظيمية تقوم على الحوار والمساءلة والشراكة.
ولا يمكن أن تستعيد الحركة عافيتها إذا بقيت حالة الانقسام الداخلي أقوى من الرغبة في الوحدة.
فالمطلوب اليوم ليس أن ينتصر فريق فتحاوي على فريق فتحاوي آخر، وإنما أن تنتصر فتح على أزمتها.
أن تتسع الحركة للجميع، وأن يصبح الاختلاف داخلها وسيلة للتطوير لا سبباً للانقسام، وأن تكون المنافسة على خدمة الناس والمشروع الوطني، لا على المواقع والمناصب.
كما أن إعادة بناء فتح يجب أن تكون جزءاً من إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني كله.
فلا يمكن أن نبني مشروعاً وطنياً قوياً بأدوات سياسية ضعيفة، ولا يمكن أن نستعيد ثقة المواطن بخطابات لا يرافقها إنجاز. الشعب الفلسطيني يريد قيادة تمتلك رؤية، ومؤسسات تعمل، وقرارات تنفذ، ومسؤولين يشعرون بمعاناة الناس ولا يعيشون بعيداً عنها.
لم يعد الإرث النضالي وحده كافياً.
نعم، نحترم مناضلي الأمس، وننحني أمام تضحيات الشهداء، ونعتز بتاريخ الحركة، لكننا في الوقت ذاته نسأل: ماذا سنقدم للأجيال القادمة؟
هل سنورثها الخلافات نفسها؟
هل سنورثها الانقسام نفسه؟
هل سنترك لها مؤسسات ضعيفة وواقعاً سياسياً مأزوماً؟
أم سنورثها حركة وطنية متجددة، قادرة على قيادة شعبها نحو الحرية والاستقلال؟
الشرعية الحقيقية لا تُبنى فقط على الماضي، وإنما تُجدد كل يوم من خلال ثقة الناس والقدرة على الإنجاز.
لا أحد يمتلك فلسطين، ولا أحد يمتلك فتح إلى الأبد.
فتح ملك لتاريخ شعبها وتضحيات مناضليها، ومستقبلها يجب أن يكون مفتوحاً أمام كل من يؤمن بالمشروع الوطني ويملك القدرة والكفاءة والإرادة لخدمته.
نريد فتحاً لا تحتكر التمثيل، بل توحّد الصفوف.
نريد فتحاً لا تخاف من النقد، بل تستفيد منه.
نريد فتحاً لا تخشى الشباب، بل تفتح لهم أبواب القيادة.
نريد فتحاً لا تقيس الرجال بطول سنوات وجودهم في المواقع، بل بما قدموه لشعبهم.
نريد فتحاً ترى في الموقع مسؤولية، وفي السلطة تكليفاً، وفي الشعب صاحب الحق الأول.
إن فلسطين اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بقدر ما تحتاج إلى إرادة سياسية شجاعة وإعادة بناء حقيقية.
فتح القوية ليست تلك التي ترفع صوتها أكثر، وإنما تلك التي تنجح في جمع شعبها حول مشروع وطني واضح.
فتح القوية ليست التي تحافظ على مواقعها، وإنما التي تحافظ على القضية.
فتح القوية ليست التي تعيش على أمجاد الماضي، وإنما التي تصنع إنجازات جديدة للمستقبل.
ولهذا فإن توحيد فتح وتجديد مؤسساتها واستعادة روحها النضالية والديمقراطية ليس ترفاً تنظيمياً، بل ضرورة وطنية.
نريد فتحاً تشبه فلسطين التي نحلم بها: موحدة، قوية، عادلة، ديمقراطية، قادرة على حماية حقوق أبنائها، وصون تضحياتهم، وقيادة مشروعهم الوطني بثقة واقتدار.
فالمرحلة القادمة لا تنتظر أحداً.
ومن أراد أن يقود المستقبل، عليه أولاً أن يمتلك شجاعة تغيير الحاضر.
فتح التي نريدها ليست فتح الأمس فقط، بل فتح التي تستطيع أن تكون جديرة بفلسطين الغد.



