أقلام حره

حين تتغير المعادلة .. كيف ينتصر اليمن؟

بقلم محمد خالد الحسينى

تبدو اليمن أمام لحظة مختلفة؛ فالمعادلة تتغير، والفرص تتشكل، وبعض القوى والقيادات تعيد النظر في حساباتها.

دعوات إلى العودة للداخل، وتأكيد على واحدية المعركة، وتنسيق بين الجبهات، ورفع للجاهزية، وحديث أوضح عن استعادة مؤسسات الدولة، وتراجع عن بعض لغة الاصطفافات القديمة لصالح لغة الوطن والجمهورية .. وهذه مؤشرات مهمة، لكنها ليست انتصاراً.

فالحرب لم تنتهِ، والانقسامات ما زالت قائمة، ومراكز النفوذ والمصالح لا تزال حاضرة، لذلك فإن ما يحدث يستحق المتابعة لا الاحتفال المبكر.

السؤال الذي يجب أن يتقدم على كل الأسئلة هو: كيف ينتصر اليمن؟
ليس من ينتصر في الشمال أو الجنوب، ولا أي حزب أو مكوّن يفرض مشروعه، بل كيف يستعيد اليمن نفسه.

اليمن لا يحتاج إلى انتصار طرف على طرف، وإنما إلى الانتصار على الانقسام، والحرب، وضعف الدولة، وعقلية الاصطفاف.

فإذا انتصر مكوّن وخسر اليمن، فلا أحد يكون قد انتصر، وإذا تقدمت الجبهة وتراجعت الدولة، فذلك ليس انتصاراً كاملاً.

ولهذا يجب أن يتغير معيار الانتصار: ليس كم أرضاً استعدنا فقط، بل كم خطوة اقتربنا بها من الدولة، وكم مؤسسة استعدنا، وكم مساحة من الثقة أعدنا بناءها، وكم يمنياً شعر أن الدولة القادمة هي دولته.

المعادلة قد تكون بالفعل في طور التغير، لكن التحدي أن تتغير معها طريقة التفكير، فلا يمكن بناء مرحلة جديدة بعقلية المرحلة القديمة، ولا دولة موحدة بأدوات الانقسام، ولا شراكة حقيقية إذا ظل كل طرف يرى الآخر خصماً أو مشروعاً مؤقتاً.

المطلوب الانتقال من سؤال: كيف ينتصر هذا الطرف؟ إلى: كيف ينتصر اليمن؟
ومِن: مَن يملك القرار؟ إلى: كيف يصبح القرار وطنياً ومؤسسياً؟
ومن هنا تأتي أهمية أي تقارب بين القوى والجبهات، وأي دعوة إلى توحيد المعركة واستعادة مؤسسات الدولة.

فالمطلوب ليس مجرد تنسيق مؤقت، بل شراكة حقيقية، وليس الاتفاق على عدو مشترك فقط، بل الاتفاق على الدولة التي ستأتي بعد المعركة.

وفي هذا السياق، فإن دعوات العودة إلى الداخل واستعادة القرار الوطني وبناء مؤسسات الدولة يجب أن تتجاوز الأشخاص والأحزاب إلى مشروع وطني جامع.

فالوطن يجب أن يكون الحزب الأول والأخير: لا حزب فوق الوطن، ولا مكوّن فوق الدولة، ولا قائد فوق اليمنيين.

ومجلس القيادة أمام اختبار حقيقي: أن يحول تعدد القوى والمناطق والمكونات إلى شراكة، لا إلى محاصصة؛ وأن يدرك أن مأرب وعدن وتعز وحضرموت والساحل الغربي وصنعاء وصعدة قضايا يمنية واحدة، مهما اختلفت خصوصياتها.

ولا يمكن بناء الجمهورية على أنقاض جمهورية أخرى، ولا معالجة مظالم الجنوب بمزيد من الجراح في الشمال، ولا معالجة مظالم الشمال بإلغاء تطلعات الجنوب، الوطن الجامع يعني العدالة والشراكة والمواطنة وسيادة القانون.

وقد تستطيع الجيوش استعادة الأرض، لكنها لا تستطيع وحدها بناء الدولة، وقد تستطيع السياسة توقيع الاتفاقات، لكنها تحتاج إلى مؤسسات وقوة وطنية تحميها.

لذلك فإن الانتصار الحقيقي هو الذي يجمع بين استعادة الأرض واستعادة الدولة، وينعكس على المواطن أمناً وراتباً وخدمة وقانوناً وكرامة.

اليمن أكبر من المؤتمر والإصلاح والانتقالي والمقاومة الوطنية، وأكبر من أي حزب أو جماعة أو قائد. والاختلاف ليس المشكلة؛ المشكلة أن يتحول الاختلاف إلى جبهات.

والعودة إلى الوطن ليست عودة أشخاص من الخارج، بل عودة القرار اليمني، والدولة، والجمهورية، والمؤسسات، والسيادة.

هنا يبدأ السؤال الحقيقي:
كيف يستعيد اليمن نفسه؟
يستعيد اليمن نفسه عندما يصبح الوطن نقطة الالتقاء، والجيش جيش الدولة، والأمن أمن الدولة، والقرار قرار الدولة، والخلاف السياسي داخل المؤسسات، والمظالم تعالج بالعدالة، والشراكة بديلاً عن الغلبة.

وينتصر اليمن عندما تصبح استعادة الدولة أهم من استعادة النفوذ، والجمهورية أهم من الحسابات الحزبية، والمواطنة أهم من المناطقية، وقد تكون الفرصة موجودة بالفعل، لكن الفرصة وحدها لا تكفي.

قد تتغير المعادلة، لكن من دون إرادة ستعود إلى نقطة الصفر، وقد تتقارب القوى، لكن من دون مؤسسات سيعود التقارب إلى خلاف، وقد تتوحد الجبهات، لكن من دون مشروع سياسي ستظل الوحدة مؤقتة.

لذلك المطلوب اليوم أن تتحول المؤشرات إلى قرارات، والتقارب إلى شراكة، والتنسيق إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى دولة.

أن تلتقي الجبهات قبل أن تلتقي البنادق، وأن تتصالح السياسة مع الميدان، وأن توضع الدولة فوق الجميع.

فإذا نجح اليمنيون في تحويل هذه اللحظة إلى مشروع وطني جامع، فلن يكون الانتصار لطرف على طرف، ولا لمنطقة على منطقة، ولا لحزب على حزب، بل سيكون الانتصار لليمن.

المعادلة تتغير .. والفرصة موجودة، لكن التاريخ لا تصنعه الفرص وحدها، التاريخ تصنعه الإرادة، وهكذا يستعيد اليمن نفسه، وهكذا ينتصر اليمن.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock