
هل مجتمعاتنا العربية الإسلامية حاضنة لأطفالنا المختلفين؟
حين يصبح الاختلاف سؤالاً للمجتمع… وتصبح الأم صوتاً لمن لا يستطيعون الكلام
مقالة بقلم كوتش أحلام الصنهاجي
في كل مرة يولد فيها طفل مختلف، لا يولد معه تحدٍّ يخص أسرته وحدها، بل يولد سؤال أكبر يخص المجتمع بأكمله:
هل نحن مستعدون حقاً لاحتضانه؟ هل نراه كما هو… أم نراه منخلال اختلافه؟
هذا السؤال أصبح أكثر إلحاحاً اليوم، في ظل ازدياد الوعي بوجود أطفال ذوي احتياجات وقدرات وخصوصيات مختلفة، وفي ظل حاجة أسرهم إلى أكثر من التعاطف؛ إلى القبول، والاحترام، والاحتواء، والفرص المتكافئة.
مجتمعاتنا العربية والإسلامية تتحدث كثيراً عن الرحمة، والتكافل، وجبر الخاطر، واحترام الإنسان، وهي قيم راسخة في ثقافتنا وديننا.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل نؤمن بهذه القيم؟
بل:
هل نمارسها عندما نقابل طفلاً مختلفاً عن أطفالنا؟
هل نقبله في المدرسة كما نقبل غيره؟
هل نسمح له بأن يلعب مع أطفالنا دون خوف أو أحكام مسبقة؟
هل نمنحه فرصة أن يتعلم ويبدع ويشارك؟
هل نرى قدراته قبل أن نرى تحدياته؟
وهل نتعامل مع أسرته كعائلة تحتاج إلى الاحتضان، لا إلى الشفقة؟
الاختلاف لا يحتاج إلى شفقة… بل إلى مكان
كأم لطفلة مختلفة، تعلمت أن أصعب ما يمكن أن تواجهه الأسرة ليس دائماً التحدي الذي يعيشه الطفل، وإنما نظرة المجتمع إليه.
نظرة قد تكون قاسية دون قصد، أو سؤالاً جارحاً بدافع الفضول، أو حكماً سريعاً، أو مقارنة غير عادلة، أو عزلة اجتماعية يشعر معها الأبوان بأنهما مضطران دائماً للدفاع عن طفلهما.
لكنني تعلمت أيضاً أن الاحتضان يصنع المعجزات.
حين يجد الطفل من يؤمن به، ويقبله، ويحترم إيقاعه الخاص، ويمنحه مساحة ليكون نفسه، فإنه لا يشعر بأنه أقل من الآخرين.
بل يبدأ في اكتشاف أنه مختلف، وليس ناقصاً.
وهنا يكمن الفرق الكبير.
أنا لم أختر الاختلاف… لكنني اخترت كيف أعيشه
وجود طفل مختلف في حياة الأسرة قد يفتح في البداية أبواباً من الأسئلة والخوف والقلق.
لماذا أنا؟
ماذا سيحدث في المستقبل؟
كيف ستكون حياته؟
كيف سيتعامل معه الناس؟
لكنني، كأم، اخترت مع الوقت ألا أبقى أسيرة هذه الأسئلة.
اخترت أن أحتضن ابنتي أولاً، وأن أحتضن نفسي معها.
وكان تقبلي لها، واحتضاني لاختلافها، بداية قوة دفينة لم أكن أعرف أنها موجودة بداخلي.
لقد علّمتني التجربة أن بعض المحن لا تأتي فقط لتؤلمنا، بل لتكشف لنا أجزاءً من أنفسنا لم نكن نعرفها.
حوّلت الألم إلى أمل، والمحنة إلى منحة.
ومن هناك بدأت رحلتي الأعمق مع الذات البشرية، ومع معنى القوة، ومع الرحمة، ومع أسئلة الحياة، بل ومع التأمل في عظمة الخالق وملكوت الله.
طفل مختلف قد يغير حياة أسرته، نعم.
لكن ربما يستطيع أيضاً أن يغيّر نظرة مجتمع بأكمله إلى معنى الإنسان.
نحن لا نحتاج إلى مجتمع “يتسامح” مع المختلفنحتاج إلى مجتمع يقبله باعتباره جزءاً أصيلاً منه.
هناك فرق كبير بين أن نقول:
“نحن نتقبل الأطفال المختلفين.”
وبين أن نصمم مدارسنا ومساحاتنا العامة وأنظمتنا التعليمية والاجتماعية بحيث يكون هؤلاء الأطفال حاضرين فيها بشكل طبيعي.
الاحتواء الحقيقي لا يكون في الكلمات فقط.
يكون في المدرسة التي تفتح أبوابها.
في المعلم الذي يؤمن بقدرات الطفل.
في الأسرة التي تعلم أبناءها احترام الاختلاف.
في المجتمع الذي يتوقف عن إطلاق الأحكام.
وفي الإعلام الذي يعرض الطفل المختلف كإنسان كامل، لا كقصة حزينة تستدر الشفقة.
مسؤوليتنا ليست فقط تجاه أطفالنا… بل تجاه مستقبل المجتمع
كل طفل مختلف هو فرصة لنا كي نربي جيلاً أكثر رحمة، وأكثر وعياً، وأكثر قدرة على فهم الآخر.
وحين نعلم أبناءنا أن الاختلاف ليس عيباً، فإننا لا نحمي الطفل المختلف فقط، بل نحمي أبناءنا نحن أيضاً من القسوة والتنمر والأحكام المسبقة.
فالمجتمع الذي يتعلم احتضان المختلف، يصبح أكثر إنسانية مع الجميع.
والسؤال الذي أود أن أتركه مفتوحاً أمام كل أب وأم، وكل معلم، وكل مسؤول، وكل فرد في مجتمعنا:
إذا كان هذا الطفل ابنك أو ابنتك… هل كنت سترغب أن ينظر إليه الناس بعين الشفقة، أم بعين الإيمان بإنسانيته وقدراته؟
ربما يبدأ التغيير من هنا.
من نظرة.
من كلمة.
من مقعد نتركه لطفل كان دائماً خارج الدائرة.
من مدرسة تقول: “أهلاً بك.”
من أم لا تخجل من اختلاف طفلها.
ومن مجتمع يقرر أخيراً أن الاختلاف ليس شيئاً علينا إخفاؤه…
بل إنساناً علينا أن نراه، ونحترمه، ونحتضنه.
وأنا، كأم لطفلة مختلفة، لا أدّعي أنني اخترت هذه الرحلة.
لكنني اخترت أن أعيشها بوعي.
اخترت أن أرى في ابنتي رسالة، لا مأساة.
وأن أرى في تجربتي باباً للنمو، لا سبباً للانكسار.
وربما تكون أعظم هدية منحتني إياها هذه الرحلة أنها جعلتني أؤمن أكثر بأن الإنسان قد يجد في أكثر نقاط ضعفه ظاهرياً… أعمق مصادر قوته.
فهل مجتمعاتنا العربية والإسلامية مستعدة فعلاً لأن تكون مجتمعات حاضنة للاختلاف؟
السؤال مفتوح… والإجابة لا تبدأ من الآخرين.
بل تبدأ من كل واحد منا.



