
وجيه نزيه” يكتب : تأملات في التاريخ المشترك بين مسيرة ( حزب الوفد ) كنضال ،و ( مؤسسة روز اليوسف الصحفية ) كتنوير .
“تُمثل العلاقة التاريخية بين “حزب الوفد” العريق و مؤسسة “روز اليوسف” الصحفية المرموقة نموذجاً فريداً للإلتقاء الفكري و التحالف السياسي و التكامل الوطني في تاريخ مصر الحديث .. إذ لم تكن هذه العلاقة مجرد وحدة و إتصال داعم ،و لكنها صرحاً مُتكاملاً للرؤية الفكرية الواحدة بالإتساق المشترك التي آمنت بحلم الإستقلال و قوة الديمقراطية و الليبرالية الوسطي .
فإن الحديث عن هذا التحالف يستلزم إستحضار السياق الزمني الذي شكل البنية التحتية للنضال المصري في مطلع القرن العشرين .. ففي عام ١٩١٩م حين بزغ فجر “حزب الوفد” كحركة وطنية شعبية شاملة جاءت لتجسد إرادة الأمة في الإستقلال و التحرر من طغيان الإستعمار لتضع اللبنة الأولى لمشروع الدولة المدنية الحديثة ،ولم تمضِ سنوات معدودة على هذا حتى كانت الساحة الصحفية على موعد مع حدث تنويري موازٍ في عام ١٩٢٥م حين أسست السيدة فاطمة اليوسف مجلتها “روز اليوسف” التي لم يكن هذا التزامن الزمني محض صدفة تاريخية ،و لكنه كان تتويجاً لضرورة تفاعلية .. فكما احتاج النضال السياسي إلى ذراع فكرية و إعلامية تعي أهدافه ايضاً احتاج التنوير الصحفي إلى قاعدة شعبية و قوى سياسية تحمي مشروعه من التيارات الرجعية أنذاك .
حيث تعود جذور هذا الإلتقاء إلى عشرينيات القرن الماضي حين أسست السيدة فاطمة اليوسف “روز اليوسف” المجلة التي حملت اسمها لتتحول سريعاً من مجلة فنية إلى حاضنة للفكر الوطني و السياسي التقدمي ،و قد تميزت عن باقي الصحف و المجلات القومية بجرأتها غير المعهودة في إقتحام المحظورات ،و تبنيها الخط المُعارض الحاد المُدافع عن حقوق الإنسان و المجتمع ككل من الطبقات الكادحة فضلاً عن كونها لم تكن مجرد منبر إعلامي فحسب ،و لكنها مدرسة صحفية و إعلامية رائدة تخرجت فيها أسماء و عمالقة كبار صنعوا تاريخ الصحافة المصرية ،و على رأسهم “أمير الصحافة” محمد التابعي منذ نشأته الذي انطلق من عباءة هذه المؤسسة العريقة قبل أن يسطر تاريخه الصحفي البارز كمؤسس لـ “مجلة المصور” التابعة لـ “دار الهلال الصحفية” ،و إلى جانب قيام مسيرة نجلها الأديب الكبير إحسان عبد القدوس الذي قاد المجلة لاحقاً كأحد أهم أعمدتها و رؤساء تحريرها مُدافعاً شرساً عن حرية الرأي .
و تجسد وجه التشارك المعرفي في إنخراط قادة و مفكري حزب الوفد ككُتّاب في المجلة .. حيث ألتقت أقلام سياسيين كبار مثل المُفكر المُستنير و الأديب الكبير عباس محمود العقاد ،و السياسي المخضرم مكرم عبيد رمز الوحدة الوطنية ،و الكاتب الكبير محمود أبو الفتح ،و الكاتب الكبير أحمد أبوالفتوح ،و مع طاقات أدبية و صحفية واعدة آنذاك و من بينهم الكاتب الكبير أنيس منصور الذي أثرى صفحاتها بإسهاماته الفكرية و الأدبية المُتميزة ليعكس الجميع صورة مصر المتنوعة و القوية .
و على أعمق المستويات الدلالية تجسدت روح هذا التلاحم في تبني شعار “الهلال و الصليب” الذي جمع بين الحزب السياسي و المؤسسة الصحفية أنذاك .. فلقد آمن الجميع من خلال السيدة فاطمة اليوسف و رجال مروستها إلى حتى القادة الوفديين بأن النضال ضد الإستعمار و بناء الدولة لا يتحققان إلا بتوحيد الصفوف .. حيث إنصهرت الرؤية الليبرالية للوفد مع النهج التنويري لمؤسسة “روز اليوسف” في بوتقة واحدة عنوانها “الوطن أولاً فوق الجميع” .
و على هذا النهج القويم ظهرت تجليات هذه المبادئ عبر الخط التحريري للمجلة حيث ألتقى الدفاع عن الدستور و الحرية النيابية مع الإيمان بحقوق كافة أطياف الشعب بتعدد فئاته .. لذا شكل هذا التلاحم الذي صاغه ساسة “حزب الوفد” و عمالقة الصحافة في مدرسة “روز اليوسف” جنباً إلى جنب ليكونوا حصناً منيعاً للفكر الرصين جعل من أطروحاتهما علامة فارقة في تاريخ النضال الوطني بالصحافة المصرية و مُتسقة بالرؤية و الهدف المشترك و الهوية الواحدة .
و علي مُجمل كل هذا و بكل صراحة و أمانة الكلمة فإن تاريخ العلاقة بين مؤسسة “روز اليوسف” و “حزب الوفد” يعد نموذجاً مُعقداً في نهاية المطاف لتداخل الصحافة بالسياسة في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين .. حيث بدأت بتحالف قوي و وثيق كما ذكرت ،و انتهت بعد ذلك إلى خصومة سياسية حادة .. ففي بدايات التأسيس تقاربت السيدة فاطمة اليوسف مع حزب الوفد لدرجة أن الحزب تبنى المجلة وضمها إليه حتى أطلق خصوم الوفد على الحزب لقب “حزب روز اليوسف” ،و هو ما دفع زعيم الحزب مصطفى النحاس للرد بفخر بأن : الوفد يفخر بأن ينتسب إلى روز اليوسف .
و قد انعكس هذا التقارب التنظيمي و السياسي على خريطة الكُتاب السياسيين و كثير من الصحفيين إذ ضم المنبر أسماء بارزة كانت محسوبة على الخط الوفدي أو قريبة منه مثل العقاد الذي عُرف بقربه الشديد من الزعيم سعد زغلول و دفاعه عن مواقف الحزب قبل أن تؤدي إستقلاليته لاحقاً إلى تصادمه مع قيادات الوفد ،و لا ننسي الكاتب الكبير محمود عزمي الذي قاد تحرير المجلة في معارك وطنية ،و ايضاً الكاتب الكبير محمد التابعي الذي انطلق من رحم هذه البيئة السياسية قبل أن يؤسس لصحافة مستقلة غير أن هذه الشراكة لم تستمر طويلاً .. إذ أصرت السيدة فاطمة اليوسف على إستقلال المنبر و إنتقاد السياسات الحكومية و المطالبة بعودة دستور ١٩٢٣م ،و كان لموقفها هذا بداية شعلة النزاع و العراك بالرفض و الإنفصال مما أثار غضب قيادات الوفد و أدى في النهاية إلى صدور بيان رسمي من الحزب في سبتمبر ١٩٣٥م يفصل المجلة و يعتبرها طاعنة في مكانه .. ثم تلاه تضييق حكومي و إقتصادي ضدها ،و بذلك تحول معظم الكتاب والصحفيين الذين بدؤوا رحلتهم في كنف الوفد نحو إنحياز صارم لحرية الكلمة و المهنة المُستقلة لتتخلى المؤسسة عن عباءة العضوية الحزبية الوفدية لتتحول إلى كيان صحفي مُستقل يعبر عن ضمير مهني يتسع أحياناً للنقد السياسي ولا يقيد نفسه بالإنتماءات التنظيمية ،و بهذا الإلتحام القوي المتين إلي الإنفصال المحتوم .
و إلي أن مع تحولات منتصف القرن العشرين و تحديداً في حقبة الخمسينيات صدرت القرارات الخاصة بتأميم الصحف المصرية و ضمها لتصبح من ضمن مؤسسات تتبع الدولة المصرية بهدف إعادة هيكلة المشهد الإعلامي و توجيهها لخدمة السياسات العامة .. لتتحول مؤسسة روز اليوسف بذلك من ملكية فردية خاصة إلى مؤسسة صحفية قومية كبرى تتبع السلطة العامة و تديرها الهيئات الإعلامية الرسمية مع الحفاظ على دورها البارز في إثراء الحياة الثقافية و المعارضة الوسطي المُتزنة للسياسات إلي حتي يومنا هذا و بكل فخر و إعتزاز .



