أقلام حره

العقل الذي يتعثر: فهم صعوبات التعلم من التقييم إلى التدخل

 

بقلم: كوتش كاميليا

في كل فصل دراسي، هناك طفل يجلس في مكانه، يحمل كتابه، ينظر إلى زملائه وهم ينجزون المهمة، ثم ينظر إلى ورقته التي لا تزال شبه فارغة.

قد يكون قد حاول قبلهم، وربما حاول أكثر منهم.

قد يكون حفظ القاعدة، وراجع الدرس، وسمع الشرح مرات عديدة، ثم جاءت النتيجة أقل بكثير مما كان ينتظره الجميع.

في هذه اللحظة تحديدًا، كثيرًا ما نسمع كلمات مثل:
“لا يركز”، “كسول”، “لا يريد أن يدرس”، “مستهتر”، “يفهم ولكنه لا يريد أن يعمل”.

لكن السؤال المهني الحقيقي ليس: لماذا لا يحاول؟

بل:

ماذا يحدث عندما يحاول؟

هنا تبدأ رحلة فهم صعوبات التعلم.

التعثر الدراسي ليس دائمًا نقصًا في الجهد

من أكثر الأفكار التي تحتاج إلى تصحيح في مجال التربية أن ضعف التحصيل يعني بالضرورة ضعف الاجتهاد.

فبعض الأطفال يبذلون جهدًا كبيرًا في مهام تبدو بسيطة بالنسبة إلى أقرانهم، لأن الدماغ لا يعالج المعلومات بالطريقة نفسها لدى جميع المتعلمين.

قد يواجه الطفل صعوبة في التعرف الدقيق والسريع إلى الكلمات، أو في الربط بين الأصوات والحروف، أو في التعبير الكتابي، أو في فهم العلاقات العددية والعمليات الحسابية.

وقد تكون المشكلة مرتبطة كذلك بعمليات معرفية داعمة للتعلم، مثل الانتباه، والذاكرة العاملة، وسرعة معالجة المعلومات، والتخطيط والتنظيم.

ولهذا فإن تكرار عبارة “حاول أكثر” لا يكون دائمًا تدخلًا تربويًا.

أحيانًا يكون الطفل قد حاول بالفعل.

لكنه يحتاج إلى طريقة مختلفة للمحاولة.

صعوبات التعلم ليست ضعفًا في الذكاء

وهذه نقطة جوهرية يجب أن تصل إلى كل أسرة وكل معلم.

وجود صعوبة تعلم محددة لا يعني أن الطفل أقل ذكاءً، ولا يعني أنه غير قادر على النجاح.

قد يكون الطفل متفوقًا في التفكير البصري، أو الإبداع، أو حل المشكلات، أو التواصل، أو المهارات العملية، بينما يواجه صعوبة واضحة في مهارة أكاديمية محددة.

وهنا تكمن أهمية النظر إلى الطفل باعتباره كلًا متكاملًا، وليس باعتباره مجموعة من الدرجات.

فالعلامة المدرسية تخبرنا بما حدث في اختبار معين، لكنها لا تخبرنا وحدها لماذا حدث ذلك.

من الخطأ إلى السؤال

عندما يكتب الطفل كلمة بطريقة خاطئة، أو يقلب حرفًا، أو ينسى خطوات عملية حسابية، فإن أول رد فعل لدينا غالبًا هو تصحيح الخطأ.

لكن المتخصص لا يتوقف عند الخطأ.

بل يبحث خلفه.

هل المشكلة في فهم التعليمات؟

هل يحتاج الطفل إلى وقت أطول لمعالجة المعلومة؟

هل ينسى الخطوات لأنه يجد صعوبة في الاحتفاظ بالمعلومات أثناء استخدامها؟

هل لديه صعوبة في اكتساب المهارة نفسها؟

هل المشكلة تظهر في مادة واحدة أم تمتد إلى أكثر من مجال؟

هل تتغير جودة أدائه عندما يكون أكثر هدوءًا؟

هذه الأسئلة هي التي تنقلنا من الحكم على الأداء إلى فهم آلية التعلم.

التقييم الجيد لا يضع ملصقًا على الطفل

التقييم في مجال صعوبات التعلم ليس بحثًا عن كلمة نضعها أمام اسم الطفل.

إنه عملية لفهم ملفه التعلمي.

نحن لا نريد فقط أن نعرف أين أخفق، بل نريد أن نعرف:

ماذا يعرف؟
ماذا يستطيع؟
أين يتعثر؟
متى يتعثر؟
وما الذي يساعده على النجاح؟

ولهذا ينبغي أن يكون التقييم دقيقًا، متعدد الأبعاد، وأن يراعي التاريخ النمائي والتعليمي للطفل، ومهاراته الأكاديمية، والجوانب المعرفية ذات الصلة، إلى جانب الظروف التعليمية والنفسية التي قد تؤثر في أدائه.

والأهم من ذلك أن تكون نتائج التقييم قابلة للتحول إلى قرارات تدخلية واضحة.

فالتقييم الذي ينتهي بتقرير محفوظ داخل ملف لا يغير حياة الطفل.

أما التقييم الذي يقود إلى خطة مناسبة، فيمكن أن يكون نقطة تحول حقيقية.

التدخل ليس “دروسًا إضافية”

وهنا أيضًا يحدث خلط شائع.

فليس كل طفل يعاني من صعوبة تعلم يحتاج إلى مزيد من ساعات الدراسة بالطريقة نفسها.

إذا كانت الطريقة التي نتبعها لا تحقق تقدمًا، فإن زيادة الجرعة منها ليست بالضرورة الحل.

التدخل الفعال يحتاج إلى أن يكون:

محددًا، تدريجيًا، منظمًا، قائمًا على احتياج الطفل، ومبنيًا على متابعة مستمرة للتقدم.

فالطفل الذي يحتاج إلى دعم في القراءة لا يحتاج فقط إلى قراءة أكثر، وإنما إلى تدخل يستهدف المهارة التي تمثل نقطة التعثر لديه.

والطفل الذي يعاني في الرياضيات لا يحتاج دائمًا إلى المزيد من التمارين العشوائية، بل إلى فهم طبيعة الصعوبة وبناء المفاهيم والمهارات بصورة متدرجة.

بمعنى آخر:

لا نعالج النتيجة قبل أن نفهم الآلية التي أنتجتها.

أخطر ما قد تفعله صعوبة التعلم

قد لا تكون المشكلة الأكاديمية وحدها هي مصدر القلق.

فالطفل الذي يفشل مرارًا رغم محاولاته قد يبدأ في تكوين اعتقاد داخلي خطير:

“أنا لا أستطيع.”

ومع تكرار التجارب السلبية، قد يتحول هذا الاعتقاد إلى تجنب، ثم إلى فقدان الدافعية، ثم إلى مقاومة للتعلم.

وقد يصبح الطفل أكثر حساسية تجاه الخطأ، أو يخاف من المشاركة، أو يرفض أداء الواجب، ليس لأنه لا يريد النجاح، وإنما لأنه يريد أن يحمي نفسه من تجربة فشل جديدة.

لهذا فإن التدخل في صعوبات التعلم يجب ألا يستهدف المهارة الأكاديمية فقط.

بل يجب أن يحمي أيضًا علاقة الطفل بنفسه وبالتعلم.

لا نريد طفلًا يعتمد علينا إلى الأبد

الهدف من التدخل الجيد ليس أن ننجز المهمة بدل الطفل.

ولا أن نبقى بجانبه في كل تمرين.

الهدف الأعمق هو أن نساعده تدريجيًا على فهم طريقة تعلمه، واكتشاف الاستراتيجيات التي تناسبه، وتنمية قدرته على التنظيم والمراجعة والتخطيط وطلب المساعدة عند الحاجة.

فالنجاح الحقيقي لا يعني أن يصبح الطفل مطابقًا لزميله.

بل أن يصبح قادرًا على استخدام إمكاناته بأفضل صورة ممكنة.

الأسرة ليست قاعة امتحان

في بعض البيوت تتحول فترة الدراسة إلى سلسلة يومية من الأوامر:

اجلس.
اقرأ.
راجع.
ركز.
أعد التمرين.
لماذا أخطأت؟
ألم نشرح لك هذا من قبل؟

ومع الوقت قد يصبح الطفل مرتبطًا في ذهنه بالتعلم باعتباره مصدرًا دائمًا للضغط.

الأسرة لا تستطيع أن تحل محل المتخصص، لكنها تستطيع أن تصنع البيئة التي تسمح للتدخل بالنجاح.

بيئة يشعر فيها الطفل أن الخطأ معلومة تساعدنا على فهمه، وليس دليلًا على فشله.

والمعلم لا يحتاج إلى طفل “مثالي”

الفصل الدراسي الحقيقي ليس مكانًا يتعلم فيه جميع الأطفال بالسرعة نفسها وبالطريقة نفسها.

المعلم الناجح ليس من يجعل الجميع يسيرون بالطريقة ذاتها، وإنما من يستطيع أن يكتشف الفروق بينهم ويبحث عن مداخل مختلفة للتعلم.

قد يحتاج أحد الأطفال إلى تعليمات أكثر وضوحًا.

وقد يحتاج آخر إلى تقسيم المهمة إلى خطوات.

وقد يحتاج ثالث إلى وقت إضافي أو إلى دعم بصري أو إلى تكرار منظم.

وهذا لا يعني خفض سقف التوقعات.

بل يعني تغيير الطريق المؤدي إلى الهدف.

الطفل الذي يتعثر اليوم ليس طفلًا فاشلًا

ربما تكون هذه هي الرسالة التي أتمنى أن يحملها كل أب وأم ومعلم ومتخصص.

لا تجعلوا تعثر الطفل في القراءة حكمًا على مستقبله.

ولا تجعلوا ضعفه في الحساب تعريفًا لشخصيته.

ولا تجعلوا علامة منخفضة تمحو عشرات القدرات التي لم تظهر بعد.

الطفل ليس علامته.

والصعوبة ليست هويته.

والتشخيص ليس نهايته.

إنها معلومات تساعدنا على اختيار الطريق الأكثر ملاءمة له.

من التقييم إلى التدخل… ومن التدخل إلى الاستقلال

التعامل مع صعوبات التعلم رحلة تبدأ بالملاحظة، ثم الفهم، ثم التقييم الدقيق، ثم بناء تدخل مناسب، ثم المتابعة المستمرة وإعادة ضبط الخطة وفق تطور الطفل.

وفي كل مرحلة يجب أن يبقى سؤال واحد حاضرًا:

كيف نجعل هذا الطفل أكثر قدرة على التعلم، لا أكثر اعتمادًا على الآخرين؟

لأن غايتنا النهائية ليست أن يحصل الطفل على علامة أفضل فقط.

بل أن يستعيد ثقته بقدرته على التعلم.

أن يفهم أن الخطأ لا يعني العجز.

أن يعرف أن له نقاط قوة كما له نقاط تحتاج إلى دعم.

وأن يكتشف، شيئًا فشيئًا، أن الطريق قد يكون أصعب بالنسبة إليه…

لكن هذا لا يعني أنه طريق مسدود.

كلمة من الميدان

خلال سنوات العمل مع المتعلمين، تعلمت أن أكثر ما يحتاجه الطفل المتعثر ليس شخصًا يكرر له ما يعرف أنه لا يستطيع فعله، وإنما شخصًا يمتلك القدرة على رؤية ما وراء التعثر.

أن نرى الطفل قبل الصعوبة.

أن نرى الإمكانات قبل العجز.

أن نبحث عن السبب قبل إصدار الحكم.

وأن نحول التقييم من ورقة تشخيصية إلى خريطة طريق نحو التعلم والاستقلال والثقة بالنفس.

فحين نفهم العقل الذي يتعثر، لا نغير فقط طريقة تعليم الطفل…

بل نغير الطريقة التي يرى بها الطفل نفسه.

بقلم: كوتش كاميليا كوتش تربوي متخصصة في صعوبات واضطرابات التعلم.

Coach Kamilia
School Coach specializing in Learning Difficulties and Learning Disorders

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock