أقلام حره

سماح محروس تكتب: الاستضافة بين النص القانوني ومصلحة الطفل: عندما تتحول الثغرات إلى تهديد حقيقي للأسرة

في قضايا الأحوال الشخصية، لا ينبغي أن يُنظر إلى الطفل باعتباره بندًا قانونيًا يُنظم على الورق، بل إنسانًا له مشاعر واحتياجات نفسية وأمان يجب أن يظل في مقدمة أي تشريع أو نقاش مجتمعي. ومن هنا يبرز الجدل المتصاعد حول فكرة الاستضافة، ليس من زاوية الرفض المطلق للعلاقة بين الطفل ووالده، ولكن من زاوية الخوف المشروع من تطبيق غير منضبط قد يفتح الباب أمام أزمات أشد خطرًا من المشكلة الأصلية.

الاعتراضات التي تطرحها كثير من الأمهات الحاضنات لا تنطلق فقط من موقف عاطفي، بل من تجارب واقعية مؤلمة جعلت هذا الملف شديد الحساسية. فالمشكلة، في نظرهن، ليست في مبدأ تواصل الأب مع أبنائه، وإنما في غياب ضمانات حقيقية تحمي الطفل إذا أسيء استخدام هذا الحق. حين تكون هناك ثغرات في التنفيذ، وضعف في آليات إعادة الطفل حال الامتناع عن التسليم، فإن الأمر لا يعود مجرد خلاف أسري، بل يتحول إلى مصدر تهديد مباشر لاستقرار الطفل النفسي والأسري.

الطفل بطبيعته يحتاج إلى بيئة مستقرة، وإلى شعور دائم بالأمان، وإلى علاقات متوازنة لا تُبنى على الصراع والشد والجذب. وعندما يدخل في دائرة التنازع بين الأبوين، ويفرض عليه الانتقال القسري أو يوضع في أجواء مشحونة بالصراع والكراهية، فإن الخاسر الأول والأخير هو الطفل نفسه. هنا لا تكون القضية مسألة “تنظيم وقت” بين طرفين، بل مسألة حماية لطفولة قد تتعرض للاهتزاز النفسي وفقدان الإحساس بالأمان.

كما أن المخاوف تزداد عندما يُطرح تطبيق الاستضافة دون وجود معايير دقيقة لتقييم البيئة التي سيذهب إليها الطفل، ومدى صلاحيتها نفسيًا واجتماعيًا، وقدرة الطرف المستقبل للطفل على تحمل المسؤولية بعيدًا عن الانتقام أو تصفية الحسابات. فالقانون العادل لا يفترض حسن النية دائمًا، بل يبني نصوصه على حماية الضعيف إذا غابت هذه النية أو اختلت.

ومن زاوية أخرى، فإن أي تشريع ناجح في هذا الملف يجب أن يقوم على مبدأ واضح: مصلحة الطفل أولًا. وهذه المصلحة لا تتحقق بالشعارات، بل بضمانات تنفيذية صارمة، وآليات فورية للتدخل حال الامتناع عن إعادة الطفل، وعقوبات رادعة ضد أي محاولة لاستغلال الاستضافة في الإضرار بالطرف الحاضن أو استخدام الصغير كورقة ضغط. كما يجب أن تكون هناك مساحة حقيقية لرأي الطفل في السن المناسبة، مع مراعاة حالته النفسية واحتياجاته الخاصة.

المجتمع لا يحتاج اليوم إلى قوانين تزيد الصراع داخل الأسرة، بل إلى حلول تحقق التوازن بين حق الأب في التواصل مع أبنائه، وحق الطفل في الأمان، وحق الحاضن في الاطمئنان على من يرعاه ويقوم على شؤونه. التشريع الذي لا يملك أدوات حماية كافية قد يتحول من وسيلة لتنظيم العلاقات إلى سبب جديد للألم والاضطراب.

إن جوهر القضية ليس معاداة طرف أو الانحياز لطرف آخر، بل منع أي نص من أن يتحول إلى باب لمعاناة جديدة. فالطفل ليس وسيلة انتقام، وليس محل مساومة، وليس أداة في معركة بين الكبار. الطفل أمانة، وكل قانون لا يضع هذه الحقيقة فوق كل اعتبار، يظل بحاجة إلى مراجعة حقيقية ومسؤولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock