
نهال الشافعي لـ«النيل الدولية»: حرب واشنطن وطهران.. الخطر لا يقف عند برميل النفط
في مداخلة هاتفية على شاشة قناة النيل الدولية باللغة الفرنسية، فى برنامج «Voix du Continent»، تناولت نهال الشافعى الباحثة في العلوم السياسية والاستراتيجية التداعيات الاقتصادية للحرب الأمريكية الإيرانية وانعكاساتها المحتملة على الاقتصادات الأفريقية، مع التركيز على أسعار الطاقة والعملات والتضخم والنمو، في ضوء المخاوف المرتبطة باستمرار التوترات في منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها المحتمل على حركة الطاقة والتجارة العالمية.
وأكدت الشافعي أن قراءة تداعيات الأزمة من خلال أسعار النفط وحدها لا تكفي لفهم أبعادها الاقتصادية، موضحة أن أي اضطراب جيوسياسي في منطقة ذات أهمية استراتيجية لأسواق الطاقة يمكن أن ينتقل تأثيره إلى اقتصادات بعيدة، من خلال التجارة والطاقة والعملات والأسواق المالية.
وأوضحت أن الاقتصادات الأفريقية تظل مرتبطة بدرجات متفاوتة بالأسواق العالمية للطاقة والغذاء ورؤوس الأموال والعملات، ولذلك فإن ارتفاع درجة التوتر في الشرق الأوسط يمكن أن ينعكس على تكلفة الواردات والنقل والإنتاج، حتى بالنسبة إلى الدول التي لا ترتبط بشكل مباشر بأطراف الصراع.
وأشارت إلى أن الأسواق قد تبدأ في تسعير المخاطر الجيوسياسية قبل ظهور نقص فعلي في الإمدادات، وهو ما يضيف علاوة مخاطر إلى أسعار الطاقة. ومع ارتفاع تكلفة النفط والوقود، يمكن أن ترتفع تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع، ثم تنتقل الزيادة تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات.
لكن التأثير لا يتوقف عند الاقتصاد الحقيقي، بحسب نهال الشافعي، إذ يمكن أن يمتد إلى موازنات الدول، خاصة في الدول التي تحتاج إلى اتخاذ إجراءات لتخفيف أثر ارتفاع أسعار الطاقة على المواطنين والقطاعات الإنتاجية.
وفي هذه الحالة، قد تضطر الحكومات إلى تخصيص موارد إضافية لدعم الطاقة أو الحماية الاجتماعية، وهو ما يمكن أن يقلل من المساحة المتاحة للإنفاق على مجالات أخرى مثل البنية التحتية والتعليم والصحة والاستثمار.
ومن هنا، ترى الشافعي أن التأثير المحتمل على أفريقيا لا يمكن وصفه باعتباره مجرد «صدمة نفطية»، وإنما هو اختبار لقدرة الاقتصادات على امتصاص الصدمات الخارجية والحفاظ على هامش الحركة الاقتصادية.
وفيما يتعلق بالدول الأفريقية الأكثر تعرضًا لارتفاع أسعار النفط، أوضحت الباحثة السياسية أن معيار التأثر لا يرتبط فقط بكون الدولة منتجة أو مستوردة للطاقة، وإنما بقدرتها على تحمل الزيادة في فاتورة الطاقة.
فالدولة التي تعتمد على استيراد النفط، وتعاني في الوقت نفسه من محدودية احتياطيات النقد الأجنبي أو ضعف عملتها، يمكن أن تواجه ضغطًا مزدوجًا؛ إذ ترتفع قيمة فاتورة الطاقة بالدولار، ثم تزداد التكلفة عند تحويلها إلى العملة المحلية إذا تراجعت قيمة العملة أمام الدولار.
وبذلك يمكن أن تتحول زيادة أسعار النفط من ضغط على فاتورة الطاقة إلى ضغط على سعر الصرف، ثم إلى ضغوط إضافية على التضخم والموازنة العامة.
وفي المقابل، قد تتفاوت قدرة الدول الأفريقية على التعامل مع ارتفاع الأسعار بحسب أوضاعها الاقتصادية، إذ تختلف مستويات الاحتياطيات والديون والقدرة على تمويل الواردات والحماية الاجتماعية من دولة إلى أخرى.
وأكدت الشافعي أن الفارق بين الاقتصادات الأفريقية لن يكون فقط في درجة تعرضها للأزمة، وإنما في مستوى قدرتها على التعامل معها.
وفي هذا الإطار، تناولت الضغوط المحتملة على العملات الأفريقية أمام الدولار، موضحة أن الدولار يلعب دورًا محوريًا في تسعير عدد كبير من الواردات الاستراتيجية، كما يمثل في أوقات عدم اليقين أحد الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون.
وبالتالي، فإن ارتفاع أسعار النفط بالتزامن مع تراجع قيمة العملة المحلية يمكن أن يضاعف تكلفة الواردات، ثم تنتقل الزيادة عبر قطاعات النقل والإنتاج والتوزيع إلى المستهلك.
وترى الشافعي أن البنوك المركزية قد تواجه في هذه الظروف تحديًا دقيقًا في تحقيق التوازن بين احتواء التضخم والحفاظ على استقرار العملة من جهة، ودعم النمو والاستثمار من جهة أخرى، خاصة أن ارتفاع أسعار الفائدة يمكن أن يساعد في الحد من الضغوط التضخمية، لكنه يرفع في الوقت نفسه تكلفة التمويل.
واعتبرت نهال الشافعي أن استمرار التوترات حول مضيق هرمز يمثل عاملًا مهمًا في تحديد مسار أسواق الطاقة، ليس فقط بسبب حجم تدفقات النفط التي تمر عبر المنطقة، ولكن أيضًا بسبب تأثير حالة عدم اليقين على قرارات الشركات والمستثمرين وتكاليف النقل والتأمين.
وأوضحت أن الاقتصاد يستطيع في كثير من الأحيان التعامل مع ارتفاع مؤقت في الأسعار، بينما يصبح الأمر أكثر تعقيدًا عندما تستمر حالة عدم اليقين لفترة طويلة، لأن الشركات والحكومات تصبح أقل قدرة على تقدير تكاليف الطاقة والتمويل والاستثمار في المستقبل.
وترى الشافعي أن استمرار الأزمة لفترة طويلة يمكن أن يؤدي إلى تأثير مزدوج على الاقتصادات الأفريقية، يبدأ بارتفاع تكلفة الطاقة، ثم ينتقل إلى الاقتصاد العالمي من خلال تباطؤ النمو وتراجع الطلب على بعض الصادرات والاستثمارات والسياحة، إلى جانب ارتفاع تكلفة التمويل.
ومن هذا المنطلق، فإن أزمة هرمز لا تمثل بالنسبة إلى أفريقيا مسألة طاقة فقط، وإنما ترتبط بصورة أوسع بقدرة الاقتصادات على تعزيز مرونتها أمام المتغيرات الدولية.
واختتمت نهال الشافعي مداخلتها بالتأكيد على أن التطورات الحالية تبرز أهمية تنويع مصادر الطاقة، وزيادة الإنتاج المحلي، والاستثمار في الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة الاستهلاك، وتطوير شبكات الربط الإقليمي، وتعميق التصنيع المحلي.
وبالتالي، فإن القضية بالنسبة إلى أفريقيا لا تتعلق فقط بسؤال إلى أين يمكن أن تصل أسعار النفط؟، وإنما بالسؤال الأوسع حول مدى قدرة الاقتصادات الأفريقية على بناء قدر أكبر من المرونة في مواجهة الأزمات التي تبدأ خارج حدودها.
وفي هذا السياق، تتحول المرونة الاقتصادية إلى أحد العناصر الأساسية في تعزيز الاستقرار والتنمية، بينما يصبح تنويع مصادر الطاقة والإنتاج والنقد الأجنبي جزءًا من مقومات الأمن الاقتصادي للدول.


