أقلام حره

اللواء الشحات هندى يكتب: استراتيجية الحروب لعرقلة نهضة العرب… هل يُجهض التقدم العلمي قبل أن يولد

 

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، يبرز تساؤل جوهري حول طبيعة الصراعات التي تعصف بمنطقتنا العربية، وهل هي مجرد صراعات سياسية تقليدية أم أنها جزء من استراتيجية أعمق تستهدف منع أي نهضة علمية أو تكنولوجية قد تغيّر موازين القوى مستقبلاً؟
إن قراءة متأنية لواقع المنطقة تكشف أن الحروب في الشرق الأوسط لا تنشأ غالباً بصورة عشوائية، بل تأتي في سياق حسابات دقيقة ترتبط بالمصالح الاستراتيجية الكبرى. فكل مشروع علمي أو صناعي واعد قد يمثل نواة لقوة اقتصادية أو عسكرية، يصبح عرضة للإجهاض قبل أن يشتد عوده. وهنا يكمن جوهر الصراع الحقيقي: منع تشكل قاعدة علمية عربية قادرة على تحقيق الاستقلال الاقتصادي والتكنولوجي.
تدرك القوى الكبرى أن العالم العربي يمتلك إمكانيات مادية وبشرية ضخمة، وإذا ما تم توجيه هذه الموارد عبر نخبة علمية مخلصة، فإنها قد تفضي إلى إنشاء صناعات ثقيلة ومتطورة تشكل درعاً للأمة، وتعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة. لذلك تعمل مراكز التفكير وغرف الدراسات على تحليل الواقع العربي بكل تفاصيله، من اختلافات مذهبية وعرقية وثقافية، لاستغلال أي ثغرة يمكن أن تؤدي إلى الانقسام وإضعاف الجبهة الداخلية.
وتبرز هذه الاستراتيجية في صورة صراعات مستمرة تُستنزف فيها الموارد، وتتحول أولويات الشعوب إلى البحث عن الأمن والاستقرار وتوفير لقمة العيش، بدلاً من الاستثمار في البحث العلمي والتقدم الصناعي. وهكذا تتبدد الطاقات في أتون الأزمات، بينما تتأخر مشاريع التنمية لعقود.
إن الخروج من هذه الدائرة يتطلب وعياً استراتيجياً جديداً يقوم على عدة مرتكزات، في مقدمتها الحفاظ على الأموال العربية وتوجيهها نحو مشاريع علمية وصناعية داخل المنطقة، بدلاً من بقائها مجمدة في الخارج. كما أن التعاون مع قوى علمية وتكنولوجية متعددة قد يفتح آفاقاً جديدة لكسر الاحتكار التكنولوجي، ويمنح العالم العربي مساحة أوسع للحركة.
ويبقى العنصر الحاسم في هذا المشروع هو بناء النخب العلمية المتخصصة، عبر دعم التعليم والبحث العلمي وتوفير بيئة حاضنة للابتكار. فالقوة في عالم اليوم لم تعد تقاس فقط بالموارد الطبيعية، بل بقدرة الدول على تحويل المعرفة إلى صناعة، والصناعة إلى نفوذ.
إن المستقبل سيظل رهناً بمدى قدرة الأمة العربية على إدراك أن التقدم العلمي والتكنولوجي ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية، وأن الاستثمار في العقل العربي هو الطريق الأقصر نحو الاستقلال الحقيقي. وفي هذا الإدراك تبدأ الخطوة الأولى نحو الخروج من دائرة الصراع إلى فضاء النهضة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock