
الدكتوره هبه اسماعيل تكتب: لا تُحاسبوا الضحية… أصلِحوا ما حولها
لم يعد منطقيًا أن ننظر إلى انهيار الإنسان باعتباره ضعفًا فرديًا أو خللًا شخصيًا يستحق اللوم والمحاسبة. الحقيقة التي كثيرًا ما نتجاهلها أن الحالة النفسية لأي إنسان هي انعكاس صادق لما نعيشه جميعًا، فهي مرآة لقانون قد لا يُنصف، وتطبيق قد يفتقد الرحمة، وخطاب ديني ابتعد في بعض صوره عن جوهره الإنساني.
فالإنسان لا ينهار فجأة، بل يسقط تدريجيًا تحت ضغوط لا تُرى، وفي بيئة لا تُحتوي، وبين منظومة قد تُحاسبه أكثر مما تُسانده. وحين يصل إلى لحظة ضعف نقف جميعًا لنحاكمه، دون أن نسأل: من الذي أوصله إلى هنا؟
هل كانت القوانين رحيمة بما يكفي؟ أم أنها كانت معقدة وقاسية تُثقل كاهل من يحتاج التيسير لا التعقيد؟ وهل كان التطبيق عادلًا أم تحوّل إلى إجراءات جامدة لا ترى الإنسان خلف الأوراق؟ وهل كان الخطاب الديني مُعينًا أم أصبح في بعض الأحيان أداة للترهيب بدلًا من التوجيه، ولإدانة الضعف بدلًا من احتوائه؟
إن الخلل في الحالة النفسية للمجتمع ليس أزمة أفراد بل جرس إنذار، إنذار يُطالبنا بمراجعة أنفسنا لا فقط كأشخاص بل كمنظومة كاملة: قوانين تُراجع بروح العدل لا الجمود، وتطبيق يُراعي الإنسان لا يُرهقه، وخطاب ديني يعود إلى أصله رحمة تهدي لا قسوة تُقصي.
فالدين لم يُخلق لإدانة الناس بل لحفظ إنسانيتهم، والقانون لم يُوضع لمعاقبة الضعفاء بل لحمايتهم. فإذا فقد القانون إنسانيته، وفقد الدين رحمته في التطبيق، اختلّ التوازن وكان الإنسان هو الثمن.
ولهذا علينا أن نتوقف عن سؤال: لماذا انهار؟ ونسأل بدلًا من ذلك: كيف تركناه يصل إلى هذه اللحظة؟
في النهاية، إصلاح الإنسان لا يبدأ بمحاسبته، بل يبدأ بإصلاح ما حوله: قانون يُنصفه، ودين يحتويه، ومجتمع يرحمه.



